ببنية جسمانية قوية ورثها عن حلبات الملاكمة، ولكنة بدوية أصيلة سكنت وجدان المغاربة، تمكن هذا المبدع الاستثنائي من صياغة مدرسة كوميدية فريدة صمدت في ذاكرة الأجيال؛ فكيف استطاع ابن الحي المحمدي العريق أن يحول تعابير عفوية مثل “هاك آلبارود” و”طل عليا أولد العياشية” إلى لزمات شعبية يرددها الصغير والكبير؟ إنه الفنان الذي قاد لسنوات طوال قاطرة الفكاهة التلفزيونية والمسرحية بالمملكة، متميزا بحضوره البهلواتي المضحك وحسه الساخر الذي يلامس هموم المواطن البسيط، ليبقى رقما صعبا في المشهد الثقافي والترفيهي المغربي.
يعد الفنان الكوميدي عبد الخالق فهيد، المولود في 13 مايو 1964 بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، واحدا من أهرام الكوميديا والتشخيص بالبلاد. انطلقت رحلته من فضاءات الحي المحمدي حيث مارس رياضة الملاكمة لمدة تسع سنوات قبل أن يختطفه بريق الفن والخشبة. وبصم فهيد على مسيرة ذهبية انطلقت عبر ثنائيته الشهيرة مع محمد ظهرا، لتتلوها محطة الانضمام إلى فرقة “مسرح الحي” التاريخية التي قدمت روائع مسرحية مثل “شرح ملح”. ولعل أبرز ما كرس شعبيته الجارفة هو تألقه في سلسلة من السيتكومات الرمضانية الناجحة مثل “عاجل إعصار” وشخصية “ميلود” الشهيرة، فضلا عن كونه أحد صناع الضحك الملتزم الذين زاوجوا بين التلفزيون وعروض الخشبة الحية داخل وخارج أرض الوطن.
وكشف في حديث للإعلام أن عودته الأخيرة إلى الشاشة الكبرى من خلال فيلم “الخطابة” للمخرج عبد الله فركوس تمثل تحديا وفصلا جديدا ومختلفا بالكامل في مساره الإبداعي والمهني. وعبر فهيد في هذا السياق عن قناعته الراسخة بأن الفنان الحقيقي لا يجب أن يظل أسيرا لنوع محدد من الأدوار النمطية، بل يتوجب عليه تجديد أدواته باستمرار بما يتماشى مع نضجه الفكري والإنساني. وأوضح في معرض تفسيراته بنبرة واقعية: “يجب على الفنان أن يتعامل بذكاء مع تقدمه في العمر، وأن يبحث بشجاعة عن تجسيد شخصيات رصينة تلائم مراحله العمرية والجسدية الحالية”، مشيرا إلى أن السينما توفر له هذا الفضاء الرحب للتعبير.
وفي معرض حديثه أمام الصحافة عن كواليس غيابه الطويل عن التلفزيون، صرح فهيد أن ابتعاده عن القنوات الرسمية لعدة سنوات لم يكن اختياريا بل فرض عليه بسبب غياب العروض الجيدة التي تحترم تاريخه الفني. وأوضح الفنان المغربي أن غيابه انحصر في شاشة التلفزيون فقط، بينما ظل حاضرا وبقوة في الميدان عبر جولاته الكوميدية ومسرحياته المتعددة داخل المغرب وخارجه. وأكد في تصريحاته الأخيرة أن مشاركته في سيتكوم “ديرو النية” جاءت لتعيد إحياء ثنائيته التاريخية مع زميله محمد الخياري بعد قطيعة فنية دامت أزيد من 15 سنة، معتبرا أن لقاءهما مجددا شكل استجابة لرغبة الجمهور المغربي الذي اشتاق لأعمالهما المشتركة.
وعبر في لقاء صحفي بمرارة واضحة عن قلقه الشديد إزاء تراجع مستوى الكوميديا والسيتكومات الرمضانية المعاصرة، مقارنة بالحقبة الذهبية التي عاشها جيله. وأضاف فهيد في إفادته أن شخصيته الشهيرة “ميلود” حوربت بشدة وتعرضت لانتقادات ممنهجة من بعض الأطراف، رغم أنها نالت حب ملايين المغاربة وارتبطت بيومياتهم. وتابع موضحا في سياق كلامه أنه لا يبالي بالتعليقات السلبية أو الانتقادات الهدامة بقدر ما يركز طاقته على الاشتغال والعودة القوية، مشددا على أن الساحة الفنية حاليا تحتاج إلى نصوص قوية وسيناريوهات محبوكة تعيد للدراما والفكاهة المغربية هيبتها وبريقها المفقود.
وأردف الفنان الكوميدي في حديثه متطرقا إلى واجبه الوطني والمجتمعي، حيث أبدى موقفا حازما تجاه تنظيم المهرجانات الوطنية في المغرب، موجها رسائل قوية للمسؤولين بضرورة دعم وإعطاء الأولوية القصوى للمواهب المحلية وأبناء البلد. واسترسل مبينا في توضيحاته بكل فخر اعتزازه بالمشاركة في التظاهرات الوطنية الخالصة التي تحتفي بالفنان المغربي وتصون الهوية الثقافية للمملكة. وأنهى كلماته بالتأكيد على أن محبة المغاربة والتقدير الذي يلمسه في الشارع هما رأسماله الحقيقي، وأنه سيظل وفيا لرسالته الفنية النبيلة طالما في العمر بقية.