بين الضرائب وتكاليف المعدات وتعقيدات الاستيراد، يواجه العاملون في المجال الفني تحديات لا تتعلق بالإبداع وحده، وهو ما يجعل أي خطوة لتخفيف الأعباء عنهم محط اهتمام واسع داخل الوسط الثقافي. وفي هذا السياق، حملت معطيات حكومية جديدة تفاصيل امتيازات وإجراءات قد تمنح الفنانين مساحة أكبر للتحرك ومواصلة مشاريعهم.
وكشف فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، عن مجموعة من التدابير الجبائية والجمركية المعمول بها لفائدة قطاع الفن والتنشيط بالمغرب، موضحا أن المنظومة الحالية تتضمن امتيازات تخص الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب إجراءات مرتبطة بالحماية الاجتماعية وتسهيل إدخال المعدات الفنية.
وجاءت هذه المعطيات في جواب عن سؤال كتابي تقدم به المستشاران البرلمانيان مصطفى الدحماني ومحمد بن فقيه، عن فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين، حيث استعرض الوزير أبرز المقتضيات التي يستفيد منها الفنانون والمهنيون العاملون في المجالات الفنية والثقافية.
وفي ما يخص الضريبة على الدخل، تشمل الإجراءات المعتمدة إعفاء بعض العوائد التي يحصل عليها الأشخاص المقيمون مقابل استعمال حقوق المؤلف في المصنفات الأدبية أو الفنية أو العلمية، كما تمتد الإعفاءات إلى الجوائز الأدبية والفنية التي لا تتجاوز قيمتها 100 ألف درهم سنويا، وفق الشروط المحددة في التشريع الجبائي.
ويستفيد عدد من الفنانين كذلك من خصم يصل إلى 35 في المائة من مجموع الأجور والدخول المماثلة غير المعفاة، في حدود 35 ألف درهم، وتشمل هذه الفئة المسرحيين والمغنين والسينمائيين وراقصي الباليه والموسيقيين ورؤساء الأجواق، في وقت يستفيد فيه الفنانون الذين يشتغلون بصورة متقطعة، بشكل فردي أو ضمن فرق، من تخفيض جزافي بنسبة 50 في المائة على مجموع أجورهم.
أما الفنان الذي يزاول نشاطه بشكل مستقل أو ضمن إطار المقاولة الذاتية، فيمكنه الاستفادة من إعفاء من الحد الأدنى للضريبة خلال السنوات المحاسبية الثلاث الأولى التي تلي انطلاق نشاطه، وذلك وفق النظام الجبائي الذي يخضع له وشروط الاستفادة المنصوص عليها قانونا.
وعلى مستوى الضريبة على القيمة المضافة، أوضح لقجع أن تذاكر الدخول إلى دور السينما تخضع لسعر 10 في المائة مع الحق في الخصم، بينما تستفيد بعض الأشرطة الوثائقية والتربوية من الإعفاء دون الحق في الخصم، كما يمكن أن تستفيد مواد مماثلة عند استيرادها من الإعفاء إذا كانت موجهة للمؤسسات التعليمية أو للعروض والمحاضرات المجانية ولا يكون الهدف من إدخالها تحقيق الربح.
وتشمل المقتضيات أيضا الأعمال الفنية التي ينجزها التشكيليون والنحاتون، والتي لا تدخل في نطاق الضريبة على القيمة المضافة عندما تكون مرتبطة بالإبداع الفني، غير أن بيعها من طرف التجار أو المستوردين الذين يبلغ رقم معاملاتهم السنوي مليوني درهم أو أكثر يجعلها خاضعة للضريبة بنسبة 10 في المائة وفق القواعد المحددة.
كما تمتد بعض الإعفاءات إلى الكتب وأعمال التأليف والطبع والتسليم المرتبطة بها، إضافة إلى الموسيقى المطبوعة والأسطوانات التي تتضمن منشورات وكتبا، في إطار التدابير الجبائية المخصصة لبعض المنتجات ذات الطابع الثقافي.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، تطرق لقجع إلى وضعية الفنانين ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، موضحا أن الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ترتبط بالوضعية المهنية لكل فنان، سواء كان أجيرا أو عاملا بشكل مؤقت أو عرضي في القطاع الخاص، أو كان يزاول نشاطه لحسابه الخاص.
وفي هذا الإطار، تتولى المديرية العامة للضرائب، بالنسبة إلى المهنيين الخاضعين لنظام المساهمة المهنية الموحدة، توفير المعطيات الضرورية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بهدف تسجيل المعنيين، ومن بينهم الفنانون، كما تقوم باستخلاص الاشتراكات والزيادات المرتبطة بالتأخر في أداء الواجبات الخاصة بالتأمين الإجباري عن المرض ضمن الحالات التي يشملها النظام.
وأوضح الوزير في المقابل أن تدابير توسيع الحماية الاجتماعية لفائدة الفنانين غير الخاضعين لنظام المساهمة المهنية الموحدة لا تدخل ضمن اختصاصات المديرية العامة للضرائب، باعتبار أن لكل مؤسسة صلاحيات محددة في تدبير هذا الورش.
ولم تتوقف الإجراءات عند الجانب الجبائي، إذ أكد لقجع أن إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة تساهم بدورها في دعم الأنشطة الفنية من خلال تسهيل دخول المعدات والبضائع الثقافية المشروعة، إلى جانب التصدي لتهريب الممتلكات الثقافية وحماية التراث الوطني من الاتجار غير القانوني.
ومن أبرز التسهيلات التي يستفيد منها القطاع نظام القبول المؤقت، الذي يسمح بإدخال المعدات والأدوات الفنية المستخدمة في المهرجانات والتظاهرات المنظمة بالمغرب، حيث يمكن للفنانين والشركات المنظمة الاستفادة من دفتر ATA لتسريع المساطر الجمركية وتعليق أداء الرسوم والضرائب المستحقة عند الاستيراد، مع تسهيل إعادة المعدات إلى الخارج بعد انتهاء النشاط.
وفي حال عدم توفر دفتر ATA، يمكن اعتماد ترتيبات أخرى لضمان الرسوم والمكوس، من بينها تعهد القطاعات الوزارية المنظمة أو الراعية للأنشطة بإعادة تصدير المعدات، بينما تواصل إدارة الجمارك العمل على تبسيط المساطر أمام الفنانين الراغبين في تقديم أعمالهم أو تسويقها خارج المملكة.
وشملت الإجراءات أيضا المعارض الثقافية غير الربحية، إذ أصبح بإمكان بعض الأعمال الفنية والتحف والمقتنيات الاستفادة من نظام القبول المؤقت، مع تحديد مدة بقائها في المغرب في سنتين قابلة للتمديد، ضمن الحدود القانونية، بعدما كانت المدة المخصصة للسلع الأخرى المعدة للعرض أقصر من ذلك.
وفي المجال السينمائي، تستفيد الشركات العاملة في القطاع من نظام القبول المؤقت بالنسبة إلى معدات التصوير والأفلام، مقابل تقديم تعهد من المركز السينمائي المغربي بتسوية الوضعية الجمركية لهذه المعدات، وهو إجراء يتيح الاستغناء عن الكفالة البنكية وما قد تفرضه من أعباء مالية إضافية على المهنيين.
وتكشف هذه التدابير عن توجه يرمي إلى تخفيف عدد من الإكراهات التي تواجه القطاع الفني، سواء عبر الامتيازات الضريبية أو المرونة الجمركية أو آليات الحماية الاجتماعية، إلى جانب دعم الإنتاج السينمائي وتشجيع انتقال الأعمال الفنية والمعدات بين المغرب والخارج، بما يخدم حضور الثقافة والفن ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية.