في مسار فني اختارت فيه الممثلة المغربية نادية كوندا أن تجعل من الانتقائية عنوانا لحضورها، عادت الفنانة لتسلط الضوء على المرحلة الجديدة التي تعيشها بعيدا عن الظهور التلفزيوني المتكرر، مؤكدة أن الغياب لا يعني الابتعاد عن الساحة، بل قد يكون أحيانا فرصة للتركيز على مشاريع أكثر عمقا وقربا من تطلعات الفنان. وبين السينما المغربية والتجارب الأجنبية، واصلت كوندا بناء مسارها بهدوء، معتمدة على اختيارات فنية تسعى من خلالها إلى تقديم شخصيات مختلفة تحمل أبعادا إنسانية واجتماعية.
تعد نادية كوندا من الأسماء النسائية التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الفنية المغربية بفضل مشاركاتها المتنوعة في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، حيث عرفت بأدائها للشخصيات المركبة التي تجمع بين الحساسية والعمق. وبرز اسمها بشكل أكبر من خلال أدوار تلفزيونية وسينمائية مختلفة، قبل أن تختار خلال السنوات الأخيرة توجيه اهتمامها نحو السينما، سواء عبر إنتاجات مغربية أو أعمال دولية. وكان آخر ظهور تلفزيوني لها سنة 2019 من خلال مسلسل “السر المدفون” للمخرج ياسين فنان، لتدخل بعدها مرحلة ركزت فيها على تجارب سينمائية تتطلب وقتا أكبر للتحضير والاشتغال على تفاصيل الشخصيات.
كشفت في تصريحات صحفية لها أن ابتعادها عن الشاشة الصغيرة لم يكن قرارا مرتبطا بالغياب عن المجال الفني، بل جاء نتيجة رغبتها في خوض تجارب سينمائية مختلفة، موضحة أنها أصبحت أكثر حرصا على اختيار الأعمال التي تقدم إضافة لمسارها الفني، بدل المشاركة في عدد كبير من المشاريع دون أن تكون مقتنعة بقيمتها. وأضافت نادية كوندا أنها لا تبحث عن كثرة الظهور، سواء في التلفزيون أو السينما، وإنما تفضل أن يكون حضورها محسوبا من خلال أدوار تمنحها فرصة لاكتشاف جوانب جديدة في شخصيتها كممثلة. وعبرت عن رغبتها في تحقيق توازن بين حياتها المهنية والخاصة، مؤكدة أن تنظيم الوقت أصبح أمرا أساسيا بالنسبة إليها حتى تتمكن من مواصلة مسيرتها الفنية بالشكل الذي تطمح إليه.
وأوضحت الفنانة المغربية أن اختيارها التركيز على السينما جاء أيضا بسبب طبيعة هذا المجال الذي يمنح الممثل مساحة أكبر للتعمق في الشخصية وبناء تفاصيلها، مشيرة إلى أن العمل السينمائي يتيح وقتا كافيا لفهم الأدوار والاقتراب من عوالمها النفسية والاجتماعية. وأضافت أن السينما المغربية تعرف تطورا مهما خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث جودة الإنتاجات أو مستوى الاشتغال التقني والفني، معتبرة أن المغرب أصبح يتوفر على طاقات قادرة على تقديم أعمال تنافسية. كما عبرت عن ميلها المتزايد إلى المشاركة في المشاريع الوطنية، بعد خوضها تجارب ضمن أعمال أجنبية، مؤكدة أن وجود مخرجين وتقنيين مغاربة بمستوى عال يشجع الفنان على العودة باستمرار إلى الإنتاجات المحلية.
وتحدثت نادية كوندا كذلك عن طبيعة الأدوار التي تختارها، خاصة الشخصيات التي تثير الجدل أو تحمل جوانب جريئة، حيث كشفت أنها لا تبحث عن الإثارة بقدر ما تهتم بتقديم شخصيات واقعية تعكس قضايا اجتماعية وإنسانية. وأكدت أن انجذابها لهذه الأدوار يعود إلى رغبتها في منح صوت لشخصيات قد تكون مهمشة أو غير مسموعة، معتبرة أن الممثل الحقيقي مطالب بطرح أسئلة من خلال أعماله وليس فقط بالظهور أمام الكاميرا. وأضافت أن قرار قبول أي مشروع يخضع لعدة معايير، من بينها قوة السيناريو ورسالة العمل ومدى قدرة الشخصية على إضافة شيء جديد لمسارها الفني.
وعبرت الفنانة عن موقفها من الانتقادات التي ترافق بعض اختياراتها، موضحة أنها تتعامل معها باحترام ما دامت تصب في إطار النقاش الفني ولا تتحول إلى أحكام شخصية. كما أشارت إلى أن تطوير السينما المغربية يحتاج إلى مزيد من الاهتمام بالكتابة السينمائية، مؤكدة أن جودة العمل تبدأ من النص، وأن اعتماد أساليب جديدة مثل ورشات الكتابة الجماعية يمكن أن يساهم في الرفع من مستوى الإنتاجات. وفي سياق حديثها عن الأعمال الرمضانية، كشفت أنها تابعت عددا من الإنتاجات المغربية، من بينها مسلسل “عش الطمع”، معتبرة أن بعض الأعمال أصبحت تعكس الهوية المحلية بشكل أوضح وتقدم تجارب تحمل قيمة فنية.
وعلى مستوى جديدها السينمائي، تواصل نادية كوندا حضورها من خلال فيلم “المطرود من رحمة الله” للمخرج هشام العسري، وهو عمل ينتمي إلى الكوميديا السوداء ويطرح قضايا مرتبطة بالإنسان وضغوط الحياة. وتجسد الفنانة في الفيلم دور شابة مغربية متزوجة من كاتب فرنسي يعيش أزمة مالية ونفسية، حيث يجد نفسه أمام اختيارات صعبة بعد اقتراب موعد ولادة طفله الأول، في محاولة منه للخروج من وضعية مادية معقدة. وأبرزت كوندا أن العمل يفتح نقاشا حول تأثير الحاجة والظروف القاسية على قرارات الإنسان، وكيف يمكن للضغوط أن تدفع البعض إلى التخلي عن بعض المبادئ بحثا عن الحلول السريعة.
وتظل تجربة نادية كوندا قائمة على البحث المستمر عن أدوار تحمل قيمة فنية وإنسانية، إذ تؤكد من خلال اختياراتها أنها تراهن على الجودة أكثر من الحضور المتكرر. كما تواصل الفنانة المغربية مسيرتها برؤية خاصة تقوم على الشغف والالتزام، معتبرة أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الأعمال، بل بقدرة الفنان على ترك أثر لدى الجمهور وتقديم شخصيات تبقى حاضرة في الذاكرة.