منظمة حقوقية تكشف أوضاعا صعبة في سبتة وتحذر من التضليل الرقمي الذي يدفع المهاجرين إلى العبور الخطير

كشفت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان عن معطيات مقلقة بشأن تداعيات عمليات العبور التي شهدتها سبتة ومليلية يومي 30 و31 يوليوز 2026، معتبرة أن الأحداث الأخيرة شكلت اختبارا حقيقيا لمدى التزام مختلف الأطراف بمبادئ حقوق الإنسان، خصوصا في ما يتعلق بحماية الحق في الحياة وضمان كرامة المهاجرين والفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت المنظمة، في تقرير حقوقي خصص لتقييم تداعيات هذه الأحداث، أن التعامل مع ملف الهجرة لا يمكن أن يقتصر على التدابير الأمنية، داعية إلى اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الأبعاد الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، مع إيلاء أهمية خاصة لحماية الأطفال والنساء والشباب وضمان حقهم في الولوج إلى العدالة.

واعتبرت أن تعزيز التعاون المغربي الإسباني ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع إلى محاولات العبور يمكن أن يساهم في الحد من هذه الظاهرة، مشددة على أن احترام حقوق الإنسان ينبغي أن يظل قائما حتى في الظروف الاستثنائية والأزمات المرتبطة بالهجرة.

وفي السياق ذاته، أوضحت المنظمة أن الهجرة ظاهرة تاريخية لا يمكن التعامل معها من خلال المقاربات الأمنية وحدها، معتبرة أن الحد من أشكال العبور الخطير يستوجب إدماج قضايا الهجرة ضمن سياسات تنموية متوازنة في العلاقة بين دول الشمال والجنوب، مع معالجة الأسباب التي تدفع الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم.

وأشار التقرير إلى أن الأطفال والشباب يوجدون ضمن الفئات الأكثر عرضة للاستغلال والتأثر بالدعوات التي تشجع على العبور غير الآمن، داعيا إلى تعزيز وعيهم بحقوقهم ومخاطر المحتويات المضللة، إلى جانب تطوير قدراتهم التعليمية والثقافية والاجتماعية بما يساعد على تحصينهم من الاستغلال.

وبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، فقد خلفت عمليات العبور خسائر بشرية كبيرة، حيث تحدثت السلطات الإسبانية عن نحو 100 حالة وفاة غرقا، بينما أشارت السلطات المغربية إلى حوالي 14 وفاة إلى حدود إعداد التقرير، فضلا عن أشخاص ما زالوا في عداد المفقودين أو مجهولي المصير، وهو ما خلف معاناة نفسية كبيرة لدى أسرهم.

كما رصدت المنظمة أحداث عنف خلال عمليات العبور، أسفرت عن إصابة عدد من المهاجرين، مغاربة وأجانب، إلى جانب أفراد من القوات العمومية، فضلا عن تسجيل أضرار لحقت بعدد من المركبات العمومية والخاصة، واعتقال حوالي 100 شخص، من بينهم قاصرون.

وبخصوص الأحداث المرتبطة بمحاولات العبور إلى مليلية، سجل التقرير وقوع إصابات واعتقالات ومتابعات قضائية على خلفية أحداث معبر بني نصار باريو تشينو، كما أثار مسألة انعقاد بعض المحاكمات في غياب هيئة الدفاع بسبب استمرار قرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، معتبرا أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات حول ضمان حقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة.

وتوقفت المنظمة كذلك عند تداول مقاطع مصورة تتضمن ادعاءات بشأن استعمال القوة المفرطة من طرف القوات العمومية، معتبرة أن هذه المعطيات تستدعي التحقيق للتأكد من مدى احترام قواعد الضرورة والتناسب أثناء استعمال القوة، والكشف عن حقيقة ما وقع للرأي العام.

وخلال زيارة ميدانية قامت بها المنظمة إلى سبتة يوم 8 غشت، وقفت على أوضاع إنسانية وصفتها بالمأساوية، في ظل خصاص كبير في المواد الغذائية والمياه وأماكن الإيواء، بينما اعتمد عدد من العابرين على مساعدات محدودة وفرتها جمعيات وفعاليات مدنية محلية.

وأفاد التقرير بأن بعض الأشخاص وجدوا أنفسهم مضطرين إلى قضاء الليل في الشوارع والأزقة أو داخل فضاءات مكتظة، في حين ساهم عدد من سكان المدينة في توفير أماكن لإيواء النساء والقاصرات والأطفال الصغار، في ظل محدودية الإمكانيات المتاحة أمام الأعداد الموجودة.

كما سجلت المنظمة وجود فئات تعاني من هشاشة مضاعفة، من بينها الأطفال والقاصرون غير المرفقين، والنساء والفتيات، إضافة إلى أشخاص يعانون من أوضاع صحية أو نفسية صعبة، وآخرين يفتقرون إلى الموارد الأساسية التي تضمن لهم الغذاء والمأوى.

وتضمن التقرير أيضا إفادات بشأن تعرض بعض الأشخاص لأعمال عنف واعتداءات، خصوصا النساء والفتيات، مع ورود شهادات تتحدث عن اعتداءات ذات طبيعة جنسية، غير أن المنظمة شددت على ضرورة التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة بشأن هذه الحالات، مؤكدة أن بعض المعطيات التي تحدثت عن أعداد أكبر لم يتم التحقق منها.

ودعت المنظمة إلى جعل حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية في صلب أي معالجة لأزمة الهجرة، مع رفض تجريم أو وصم الأشخاص في وضعية هجرة أو عبور، وضمان المصلحة الفضلى للأطفال، وتوفير الحماية القانونية والحق في الولوج إلى العدالة، واحترام مبدأ العودة الطوعية والفردية.

كما طالبت بإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في حالات الوفاة والإصابة والادعاءات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، مع نشر نتائجها وتمكين الضحايا وأسرهم من معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف وجبر الضرر عند ثبوت المسؤولية.

وفي الجانب المتعلق بالحماية، دعت المنظمة إلى تسهيل الولوج إلى الحماية الدولية للأشخاص الذين يحتاجون إليها، وتوفير المساعدة القانونية وخدمات الترجمة والمواكبة الحقوقية، إلى جانب تعزيز التعاون المغربي الإسباني من أجل مواجهة شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.

وحذر التقرير في المقابل من الدور الذي يمكن أن تلعبه منصات التواصل الرقمي في تأجيج عمليات العبور، بعدما ساهم تداول معلومات مضللة ومحتويات تشجع على الهجرة الجماعية في التأثير على بعض الراغبين في العبور، داعيا إلى إطلاق حملات توعوية تقدم معلومات دقيقة وتعزز التربية الرقمية لدى الشباب.

كما أوصت المنظمة بمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي الظاهرة، من خلال مكافحة الهدر المدرسي، ودعم الحق في التعليم والتشغيل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب إطلاق برامج تنموية استعجالية تستهدف النساء والشباب في منطقتي الفنيدق والناظور.

وبخصوص الوضع الإنساني في سبتة، دعت المنظمة إلى توفير الغذاء والماء وأماكن الإيواء والرعاية الصحية والنفسية بشكل عاجل، مع اتخاذ إجراءات خاصة لحماية الأطفال والنساء والقاصرين من الاستغلال والاتجار بالبشر، وفتح تحقيق قضائي مستقل في الادعاءات المتعلقة بالعنف والاعتداءات الجنسية وغيرها.

كما شددت على ضرورة دعم الجمعيات والفعاليات المدنية التي تقدم المساعدات الإنسانية، وتوفير مراكز إيواء ملائمة للقاصرين، خصوصا غير المرفقين، والنساء، إلى جانب تعزيز التنسيق المغربي الإسباني لتحديد هويات الضحايا المغاربة وتسليم جثامينهم، بما يتيح لأسرهم معرفة مصير أبنائها ودفنهم في ظروف تحفظ كرامتهم.

منظمة حقوقية تكشف أوضاعا صعبة في سبتة وتحذر من التضليل الرقمي الذي يدفع المهاجرين إلى العبور الخطير