في مسيرة الفنان، لا يكون الاستمرار رهينا بكثرة الإصدارات أو الحضور المتكرر، بقدر ما يرتبط بالقدرة على الحفاظ على هوية فنية واضحة ومواصلة تقديم أعمال تجد طريقها إلى الجمهور. وهو ما يميز تجربة الفنانة المغربية فاطمة الزهراء العروسي، التي استطاعت على امتداد سنوات أن تحافظ على حضورها داخل المشهد الفني المغربي، مستفيدة من تجربة تجمع بين الغناء والتمثيل والانفتاح على أنماط موسيقية متعددة. وبين الأغنية العاطفية والمواضيع الاجتماعية والوطنية، ظلت العروسي حريصة على تقديم اختيارات تنسجم مع شخصيتها الفنية وتلامس اهتمامات جمهورها، لتواصل بذلك تثبيت اسمها ضمن الأسماء النسائية البارزة في الساحة الفنية المغربية.
تنتمي فاطمة الزهراء العروسي إلى جيل من الفنانات المغربيات اللواتي استطعن الجمع بين أكثر من مجال فني، حيث ارتبط اسمها منذ بداياتها بالموسيقى والأغنية المغربية، قبل أن توسع تجربتها لتشمل التمثيل والمشاركة في عدد من الأعمال التلفزيونية. وقدمت خلال مسيرتها مجموعة من الأغاني التي عرفت انتشارا لدى الجمهور، من بينها «لا زهر لا مكتوب» و«الحب هو نتا» و«هذي هي مي»، إلى جانب أعمال أخرى عكست تنوع اختياراتها الموسيقية. كما ساهم حضورها في عدد من الإنتاجات التلفزيونية في تعزيز صورتها كفنانة متعددة المواهب، قادرة على الانتقال من الخشبة الغنائية إلى أمام الكاميرا، مع الحفاظ على حضورها في المناسبات الفنية والحفلات داخل المغرب وخارجه.
وكشفت فاطمة الزهراء العروسي في تصريحات صحفية لها أن اختيارها للأعمال الفنية لا تحكمه الرغبة في تحقيق الانتشار السريع، مؤكدة في هذا السياق: «لا أبحث عن البوز وأخذ وقتا كافيا لإصدار عمل بمقومات فنية وجمالية عالية الجودة». وأضافت أن العمل الفني بالنسبة إليها يحتاج إلى الوقت والعناية قبل أن يصل إلى الجمهور، وأنها تفضل الاشتغال على أغنية متكاملة من حيث الكلمات واللحن والتنفيذ بدل طرح أعمال متسرعة يكون هدفها الأساسي تحقيق حضور مؤقت. كما أوضحت أن رصيدها الغنائي يتنوع بين المواضيع الشبابية والاجتماعية والإنسانية، وهو ما يجعل اختياراتها مختلفة من عمل إلى آخر، مؤكدة أن علاقتها بالجمهور تقوم على تقديم أعمال قريبة منه وتحمل في الوقت نفسه قيمة فنية.
وعبرت العروسي في تصريحات أخرى عن اهتمامها بالأغنية التي تحمل مضمونا إنسانيا قادرا على ملامسة مشاعر المستمع، وهو ما ظهر في مجموعة من أعمالها التي تناولت الحب والعائلة والوطن. وتحدثت عن أغنية «الحب هو نتا»، موضحة أنها عمل رومانسي يتناول الحب بمختلف أشكاله، سواء تعلق الأمر بالعلاقات العاطفية أو بروابط الصداقة والعائلة، مشيرة إلى أن العمل يحمل طاقة إيجابية ورسالة بسيطة وقريبة من الناس. كما تحدثت عن أغنية «هذي هي مي»، التي قدمتها تكريما للأمهات المغربيات، وكشفت أن العمل يحمل بالنسبة إليها بعدا شخصيا وعاطفيا، لأنه يرتبط بعلاقتها بوالدتها وباللحظات الجميلة التي عاشتها معها. وأضافت أن موضوع الأم من أكثر المواضيع التي يمكن للفنان أن يعبر من خلالها عن مشاعره بصدق، وهو ما جعلها تتعامل مع العمل بحساسية خاصة.
وتبرز الهوية المغربية كذلك كعنصر حاضر في تجربة فاطمة الزهراء العروسي، سواء من خلال أعمالها الغنائية أو مشاركاتها في التظاهرات الفنية داخل المغرب وخارجه. فقد حرصت في مناسبات مختلفة على تقديم ريبيرتوار مغربي متنوع، كما شاركت في فعاليات دولية قدمت خلالها الأغنية المغربية إلى جانب أعمال بلغات ولهجات أخرى، في محاولة للجمع بين الانفتاح على الجمهور المتعدد والحفاظ على الخصوصية الثقافية. ويظهر هذا التوجه أيضا في عدد من أعمالها ذات الطابع الوطني، حيث جعلت من الأغنية وسيلة للتعبير عن ارتباطها بالمغرب وبثقافته وموسيقاه. كما أن مشاركاتها في المناسبات الكبرى تمنحها فرصة لتقديم صورة الفنان المغربي القادر على التواصل مع جمهور واسع من خلال لغة الموسيقى.
وبعيدا عن الغناء، واصلت العروسي حضورها في مجال التمثيل، حيث شاركت في أعمال تلفزيونية مختلفة وخاضت تجارب سمحت لها بإبراز جانب آخر من موهبتها. وكانت قد عبرت في تصريحات سابقة عن رغبتها في اختيار أدوار تضيف إلى رصيدها الفني، مؤكدة أنها لا ترغب في المشاركة لمجرد الظهور، وإنما تبحث عن الشخصيات التي تمنحها فرصة لتقديم شيء مختلف. كما سبق أن تحدثت عن حلمها بتقديم عمل يجمع بين الغناء والتمثيل والاستعراض، وهو ما يعكس طموحها إلى توسيع تجربتها وعدم حصرها في مجال واحد. ويأتي هذا التوجه في وقت أصبح فيه الفنان مطالبا بالقدرة على التنقل بين مجالات إبداعية مختلفة، وهو ما حاولت العروسي ترسيخه من خلال مسارها المتنوع.
وبين الغناء والتمثيل والمشاركات الفنية، تواصل فاطمة الزهراء العروسي الحفاظ على حضورها داخل الساحة المغربية من خلال اختيارات تراهن فيها على التنوع والقرب من الجمهور والارتباط بالهوية الفنية المحلية. ومع تغير صناعة الموسيقى وتسارع إيقاع الإصدارات، تبدو الفنانة حريصة على منح أعمالها الوقت الذي تحتاجه، مع الاستمرار في البحث عن مواضيع قريبة من الناس وألحان وألوان موسيقية قادرة على الوصول إلى المستمع. وهكذا تظل تجربتها مفتوحة على مزيد من المحطات، مستندة إلى رصيد فني متنوع وإلى رغبة واضحة في مواصلة التطور دون التخلي عن الخصوصية التي صنعت ملامح مسيرتها.