في مسار فني لا يعرف التوقف عند محطة واحدة، تواصل مريم الزعيمي توسيع آفاق تجربتها والانتقال بخطوات ثابتة نحو اختيارات تمنحها مساحة أكبر للتعبير والمغامرة. فبعد سنوات من الحضور اللافت في التلفزيون والسينما والمسرح، تعود الفنانة المغربية إلى الواجهة من خلال تجربة جديدة تحمل في تفاصيلها أكثر من تحد فني، بعدما اختارت أن تجمع بين التشخيص والدراماتورجيا والإخراج في مشروع مسرحي جديد يحمل عنوان «ضباب». وهي خطوة تكرس علاقتها العميقة بخشبة المسرح، وتكشف في الوقت نفسه عن رغبتها في مواصلة اختبار قدراتها خارج الأدوار التقليدية.
مريم الزعيمي من الأسماء المغربية التي استطاعت أن تبني لنفسها مكانة خاصة داخل المشهد الفني، بفضل تجربة راكمتها بين المسرح والتلفزيون والسينما، مستفيدة من تكوينها في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط. وقد عرفها الجمهور من خلال مجموعة من الأعمال التي قدمت فيها شخصيات مختلفة، قبل أن توسع حضورها تدريجيا نحو مجالات أخرى مرتبطة بصناعة العرض المسرحي. ولم يكن المسرح بالنسبة إليها مجرد محطة عابرة، بل ظل فضاء أساسيا في تجربتها الفنية، خصوصا مع انتقالها إلى الاشتغال على الإخراج والدراماتورجيا، وهو ما منح مسيرتها بعدا أكثر تنوعا، ورسخ صورتها كفنانة تبحث باستمرار عن تطوير أدواتها وعدم البقاء أسيرة نمط فني واحد.
وكشفت مريم الزعيمي في تصريحات صحفية سابقة أن علاقتها بالأعمال الفنية تقوم بالأساس على البحث عن المشاريع التي تمنحها فرصة حقيقية للاشتغال والتجريب، موضحة أن الممثل لا ينبغي أن يكتفي بتقديم الشخصية، بل عليه أن يجد داخل كل تجربة ما يدفعه إلى تطوير أدواته واكتشاف جوانب جديدة من موهبته. كما عبرت عن أهمية النص في نجاح أي عمل، إلى جانب الانسجام بين مختلف أفراد الفريق، مؤكدة أن الأعمال التي تلامس قضايا إنسانية واجتماعية قريبة من الجمهور تفرض على الفنان مسؤولية أكبر في طريقة تقديمها. وأضافت أن تنوع التجارب يظل بالنسبة إليها عاملا أساسيا في الاستمرار، لأنها تفضل خوض مشاريع مختلفة على تكرار الصيغة نفسها، وهو التوجه الذي انعكس بوضوح على اختياراتها بين التلفزيون والمسرح والسينما.
ويأتي مشروع «ضباب» ليمنح هذا التوجه امتدادا جديدا، إذ تتواصل الاستعدادات لتقديم العمل المسرحي الذي يحمل توقيع أيوب أبو النصر على مستوى التأليف، فيما تتولى مريم الزعيمي الدراماتورجيا والإخراج، إلى جانب مشاركتها في التشخيص. ويجمع العرض أيضا كلا من أيوب أبو النصر وعادل أبا تراب وأشرف مسياح، ضمن تركيبة فنية تراهن على خلق انسجام بين مختلف مكونات العرض، وتقديم تجربة مسرحية تستند إلى قوة النص وجمالية التشخيص. ويكتسي المشروع أهمية خاصة بالنسبة إلى الزعيمي، بالنظر إلى تعدد المهام التي تضطلع بها داخله، فهي لا تقف فقط أمام الجمهور كممثلة، وإنما تشارك كذلك في بناء الرؤية الدرامية والإخراجية للعمل، بما يجعل التجربة اختبارا حقيقيا لقدرتها على الجمع بين أكثر من مسؤولية إبداعية في المشروع نفسه.
ويحظى «ضباب» بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، في إطار مواكبة المشاريع المسرحية وتشجيع الإبداع الفني المغربي، بينما ينتظر أن يتم خلال المرحلة المقبلة الكشف عن تفاصيل إضافية تخص العرض وموعد تقديمه للجمهور. ويأتي هذا العمل بعد تجارب مسرحية أخرى عززت حضور مريم الزعيمي في هذا المجال، من بينها اشتغالها على مشاريع سمحت لها بالاقتراب أكثر من الكتابة والإخراج والاشتغال الجماعي. ومن المنتظر أن يشكل «ضباب» إضافة جديدة إلى رصيدها، خصوصا أن اجتماع أسماء وازنة في التأليف والتشخيص والإخراج يفتح الباب أمام تجربة تحمل رهانات فنية متعددة، سواء على مستوى الأداء أو بناء العرض أو طبيعة المعالجة التي اختارها فريق العمل.
وبين الحضور التلفزيوني والسينمائي والارتباط المستمر بالمسرح، تؤكد مريم الزعيمي مرة أخرى أن مسيرتها لا تقوم على تكرار النجاحات السابقة، وإنما على البحث الدائم عن تجارب جديدة قادرة على منحها تحديات مختلفة. ومع «ضباب»، تبدو الفنانة أمام مرحلة أخرى من مسارها، تضع فيها خبرتها كممثلة إلى جانب رؤيتها كصاحبة مشروع مسرحي، في انتظار أن تكشف الخشبة للجمهور عن تفاصيل هذه المغامرة الجديدة، وما ستضيفه إلى تجربة فنية اختارت منذ بدايتها أن تجعل من التنوع والتجريب عنوانا أساسيا لها.