أمين الناجي يكشف عن تحولات جديدة في مسيرته ويؤكد أن الفن بالنسبة إليه مساحة للتعبير وصناعة الأثر

في مسيرة الفنانين، هناك لحظات لا تكون مجرد انتقال من عمل إلى آخر، بل تتحول إلى محطات تعيد رسم الطريق بأكمله. وهذا ما يبدو واضحا في تجربة الممثل المغربي أمين الناجي، الذي اختار منذ سنوات أن يجعل من التمثيل مساحة لاختبار قدراته والاقتراب من الشخصيات المركبة، قبل أن يقرر توسيع دائرة حضوره الفني والانتقال تدريجيا إلى الكتابة والإخراج. وبين أعمال درامية وتاريخية وتجارب سينمائية مختلفة، يواصل الناجي البحث عن أدوار ومشاريع تمنحه فرصة أكبر للتعبير، وهو ما يجعل مساره حافلا بالتحولات والأسئلة الفنية المتجددة.

يعد أمين الناجي من الأسماء التي رسخت حضورها في الدراما المغربية خلال السنوات الماضية، مستفيدا من قدرته على التنقل بين الشخصيات الاجتماعية والنفسية والتاريخية، ومن تجربة مهنية بدأت بعيدا عن الأضواء قبل أن تقوده إلى عالم الفن. فقد اشتغل في بداياته بمجال المحاسبة، غير أنه، وبعد نحو ثلاث سنوات، قرر التخلي عن الوظيفة والاتجاه إلى دراسة التمثيل، بعدما أدرك أن العمل بين الأرقام لا ينسجم مع طموحه الشخصي ورغبته في التعبير عن ذاته. ومنذ ذلك التحول، راكم الناجي تجارب متعددة، وكان من بين الأعمال التي شكلت بداياته مسلسل «وجع التراب» رفقة المخرج الراحل رفيق السحيمي، قبل أن تتوالى مشاركاته في أعمال تلفزيونية وسينمائية مختلفة.

وكشف في تصريحات صحفية له أن قرار التخلي عن المحاسبة والاتجاه إلى التمثيل كان من أكثر القرارات التي غيرت مسار حياته، مؤكدا أنه لم يشعر بالندم على هذه الخطوة، بل أصبح مع مرور السنوات أكثر اقتناعا بأنها كانت الاختيار الصحيح بالنسبة إليه. وأضاف أن التمثيل لا يمثل بالنسبة له مجرد مهنة، وإنما وسيلة للتعبير عن نفسه وعن المجتمع، وهو ما يفسر ميله إلى الشخصيات التي تتيح له الاشتغال على أبعادها النفسية والإنسانية. وفي هذا السياق، برز اهتمامه خلال الفترة الأخيرة بتوسيع تجربته خلف الكاميرا من خلال فيلم «راسي مرفوع»، الذي يستلهم عالم مشجعي الرجاء الرياضي وواقع حي درب السلطان بالدار البيضاء، وهي المنطقة التي نشأ فيها ويعرف تفاصيلها وشخصياتها عن قرب. وكان الناجي قد أوضح أن المشروع يشكل أول تجربة له في الكتابة والإخراج، وأنه يطمح من خلاله إلى نقل جزء من الواقع الاجتماعي إلى الشاشة.

وعلى مستوى اختياراته التمثيلية، أكد الناجي أن الأدوار المركبة تستوقفه بشكل خاص لأنها تمنحه فرصة للغوص في أعماق الشخصية وبنائها من الصفر، وهو ما عبر عنه خلال حديثه عن مشاركته في مسلسل «أنا حرة»، حيث جسد شخصية ذات تركيبة نفسية معقدة، تجمع بين النرجسية والتسلط والصراعات الداخلية الناتجة عن تجارب الطفولة. وأوضح أن هذه النوعية من الشخصيات تمنحه متعة حقيقية في الاشتغال، لأنها تتطلب بحثا وتحليلا وفهما للدوافع الخفية التي تحرك الشخصية، مؤكدا في الوقت ذاته ثقته في وعي الجمهور المغربي وقدرته على الفصل بين الممثل والشخصية التي يقدمها على الشاشة. كما سبق أن كشف عن تفاصيل مشاركته في العمل الدرامي الذي يضم 60 حلقة، مشيرا إلى أن قصته تقوم على مجموعة من الصراعات النفسية والاجتماعية التي تمنح الشخصيات مساحة واسعة للتطور.

وفي تجربة مختلفة، عزز أمين الناجي حضوره في الدراما العربية من خلال مشاركته في المسلسل التاريخي «سيوف العرب»، الذي شكل بالنسبة إليه محطة جديدة بسبب طبيعة العمل الضخم وخصوصية الشخصيات والحقبة التاريخية التي يتناولها. وكشف في تصريحات إعلامية أن المسلسل يستعرض أحداثا تمتد من فترة الجاهلية إلى العصر الأموي، ويجمع نخبة من الأسماء المغربية والعربية، مع تصوير عدد من مشاهده في المغرب، خصوصا بمراكش وورزازات. وأبرز أن الاشتغال على شخصية تاريخية من هذا النوع يتطلب استعدادا خاصا ودقة في استحضار ملامح الحقبة والاشتغال على تفاصيل الشخصية، كما عبر عن اعتزازه بالمشاركة في مشروع وصفه بأنه من بين أضخم الإنتاجات التي خاضها في مساره على مستوى العالم العربي.

ولا يتوقف طموح الناجي عند حدود الحضور أمام الكاميرا، إذ تكشف اختياراته الأخيرة عن رغبة واضحة في الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعا من حيث صناعة العمل نفسه، سواء عبر الكتابة أو الإخراج أو تقديم شخصيات تتطلب منه جهدا أكبر في التحضير والأداء. كما عبر عن رؤيته لمستقبل الدراما المغربية، مشيرا إلى أن اللهجة المغربية لا تزال تمثل تحديا أمام وصول الإنتاجات المحلية إلى جمهور عربي أوسع، رغم التحولات الإيجابية التي ساهمت فيها الموسيقى المغربية والانفتاح المتزايد على الثقافة المغربية. ويرى أن توسيع فرص عرض الأعمال المغربية على القنوات والمنصات العربية يمكن أن يفتح المجال أمام الفنانين المغاربة للوصول إلى جمهور أكبر، وهو رهان يتقاطع مع مساره الشخصي الذي بدأ يتجاوز حدود الإنتاج المحلي نحو أعمال عربية وتاريخية مشتركة.

وبين التمثيل والكتابة والإخراج، يبدو أن أمين الناجي لا ينظر إلى مسيرته باعتبارها مسارا مستقرا عند محطة واحدة، بل كرحلة مفتوحة على تجارب جديدة واختيارات أكثر جرأة. فبعد سنوات من الوقوف أمام الكاميرا، بدأ يقترب من صناعة الحكاية نفسها، مستندا إلى خبرة طويلة في قراءة الشخصيات وفهم تفاصيل المجتمع الذي ينتمي إليه. وبينما يواصل حضوره في الأعمال الدرامية والسينمائية، يبقى طموحه الأبرز هو أن تحمل مشاريعه بصمته الخاصة وأن تمنح الجمهور أعمالا تتجاوز حدود الفرجة العابرة، لتترك أثرا فنيا وإنسانيا يستمر بعد انتهاء المشاهدة.

أمين الناجي يكشف عن تحولات جديدة في مسيرته ويؤكد أن الفن بالنسبة إليه مساحة للتعبير وصناعة الأثر