في زمن تتغير فيه الأذواق وتتسارع فيه إيقاعات الساحة الفنية، يظل بعض الفنانين أوفياء لهوية موسيقية صنعت وجدان أجيال كاملة، ويأتي اسم عبد العزيز الستاتي ضمن أبرز الأسماء التي ارتبطت بالأغنية الشعبية المغربية وحافظت على حضورها لعقود طويلة. فمساره الفني لم يكن مجرد رحلة مع النغمات والإيقاعات، بل كان امتدادا لذاكرة جماعية حملت أفراح المغاربة وأحزانهم ومناسباتهم، ليواصل اليوم إثبات أن الفن الشعبي قادر على التجدد والاستمرار رغم التحولات الكبيرة التي يعرفها المشهد الموسيقي.
يعد عبد العزيز الستاتي من أبرز رواد الأغنية الشعبية في المغرب، حيث استطاع منذ بداياته أن يفرض أسلوبه الخاص من خلال اعتماده على آلة الكمان وصوته المميز وطريقته الفريدة في الأداء التي جعلته قريبا من الجمهور. وراكم الفنان خلال مسيرته الطويلة عددا كبيرا من الأعمال التي لاقت انتشارا واسعا، كما شارك في إحياء العديد من الحفلات والمهرجانات داخل المغرب وخارجه، وظل اسمه مرتبطا بالأغنية الشعبية التي تمزج بين الإيقاع المغربي والكلمة القريبة من حياة الناس. وقد تمكن الستاتي من بناء قاعدة جماهيرية واسعة بفضل حضوره القوي فوق المنصات وحرصه على تقديم فن يحافظ على خصوصية التراث الموسيقي المغربي.
وكشف في تصريحات صحفية له أن علاقته بالأغنية الشعبية نابعة من ارتباط عميق بالهوية المغربية، مشيرا إلى أنه يحرص دائما على تقديم أعمال تحمل روح المجتمع المغربي وتعكس عاداته وتقاليده. وأضاف الفنان أن اختياراته الفنية تقوم على الحفاظ على قيمة الأغنية الشعبية وعدم الانسياق وراء كل ما هو عابر، مؤكدا أن الفنان مطالب بأن يطور نفسه دون أن يفقد الجذور التي انطلق منها. وعبر الستاتي في أكثر من مناسبة عن اعتزازه بالمسار الذي قطعه، موضحا أن نجاحه جاء نتيجة سنوات طويلة من العمل والاجتهاد والتواصل المستمر مع الجمهور الذي اعتبره شريكا أساسيا في استمراره الفني.
كما تحدث عبد العزيز الستاتي عن واقع الأغنية الشعبية المغربية والتحولات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، حيث أكد أن الساحة الفنية أصبحت تعرف منافسة قوية وظهور أنماط موسيقية جديدة، لكنه شدد على أن الفن الأصيل يظل قادرا على البقاء عندما يعتمد على الجودة والصدق في التعبير. وأوضح أن الفنان الشعبي لا يقتصر دوره على الغناء فقط، بل يحمل أيضا مسؤولية الحفاظ على جزء من الثقافة المغربية ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وأضاف أن التطور التكنولوجي ومنصات التواصل الاجتماعي غيرت طريقة وصول الأغاني إلى الجمهور، داعيا الفنانين إلى استثمار هذه الوسائل بشكل إيجابي للتعريف بأعمالهم.
وفي سياق حديثه عن مشاريعه الفنية، أكد الستاتي أنه يواصل العمل على أعمال جديدة تتماشى مع تطلعات جمهوره، مع الحفاظ على اللون الشعبي الذي اشتهر به طوال مسيرته. وأشار إلى أنه يختار أغانيه بعناية كبيرة، سواء من حيث الكلمات أو الألحان، لأنه يعتبر أن الجمهور المغربي أصبح أكثر انتباها لجودة الأعمال المقدمة له. كما عبر عن رغبته في الاستمرار في العطاء الفني وخوض تجارب جديدة تثري رصيده، مؤكدا أن الشغف بالموسيقى هو العامل الأساسي الذي يدفعه إلى مواصلة المشوار رغم مرور سنوات طويلة على دخوله عالم الفن.
ويظل عبد العزيز الستاتي واحدا من الفنانين الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الأغنية الشعبية المغربية، ليس فقط من خلال أعماله التي حققت نجاحا واسعا، بل أيضا بفضل حفاظه على لون موسيقي أصبح جزءا من الذاكرة الفنية الوطنية. وبين الوفاء للتراث والرغبة في مواكبة العصر، يواصل الستاتي مسيرته بإصرار، مؤكدا أن الفن الحقيقي يستمد قوته من ارتباطه بالجمهور ومن قدرته على التعبير عن روح المجتمع، وهو ما يجعل تجربته مستمرة الحضور في المشهد الفني المغربي.