أسماء المدير تواصل مسارها السينمائي برؤية إبداعية وتؤكد حضور السينما المغربية عالميا

في عالم السينما الذي يحتاج إلى أصوات قادرة على تحويل الذاكرة الفردية إلى حكايات إنسانية مشتركة، استطاعت المخرجة المغربية أسماء المدير أن تفرض اسمها كواحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الوثائقية المغربية المعاصرة. فلم تعتمد في تجربتها على السرد التقليدي، بل اختارت الغوص في أعماق القضايا الاجتماعية والإنسانية، مستندة إلى أسلوب بصري يجمع بين البحث في الذاكرة واستعادة التفاصيل المنسية. وقد شكل فيلمها الوثائقي كذب أبيض محطة بارزة في مسارها، بعدما حظي باهتمام واسع داخل المغرب وخارجه، وحقق حضورا قويا في مهرجانات دولية من بينها مهرجان كان السينمائي 2023 حيث توج بجائزة الإخراج في قسم نظرة ما وجائزة العين الذهبية لأفضل فيلم وثائقي.
ولدت أسماء المدير بمدينة سلا، وراكمت تكوينا أكاديميا في مجال السينما والتواصل، حيث درست السينما الوثائقية وحصلت على تكوين متخصص في الإنتاج، قبل أن تخوض تجربة الإخراج التي جعلتها تنتقل من كتابة الأفكار إلى بناء عوالم سينمائية خاصة بها. ومنذ بداياتها، اشتغلت على أفلام قصيرة ووثائقية تناولت قضايا مرتبطة بالذاكرة والهوية والتاريخ، قبل أن تصل إلى مشروعها الأهم “كذب أبيض”، الذي اعتمد على شهادات أفراد من محيطها العائلي ومن حي سباتة بمدينة الدار البيضاء، في محاولة لفهم علاقة الإنسان بالماضي وبالأحداث التي تترك آثارها في الذاكرة الجماعية.
وكشفت أسماء المدير في تصريحات صحفية لها أن علاقتها بالأفلام الوثائقية تقوم أساسا على البحث الطويل والصبر، مؤكدة أن الأعمال التي تختار الاشتغال عليها تحتاج إلى وقت حتى تنضج فكرتها وتتشكل رؤيتها الفنية. وأوضحت أن فيلم “كذب أبيض” لم يكن مجرد عمل عن قصة عائلية، بل كان رحلة للبحث عن الحقيقة من خلال الصور والذكريات والشهادات، مشيرة إلى أنها حاولت تقديم الماضي بطريقة مختلفة تجمع بين الوثيقة السينمائية والخيال البصري. وأضافت أن السينما بالنسبة إليها ليست فقط وسيلة لسرد الأحداث، بل مساحة لطرح الأسئلة حول الذاكرة وما يخفيه الإنسان داخل حياته الخاصة والجماعية.
وتواصل أسماء المدير تعزيز تجربتها السينمائية من خلال مشاريع جديدة تحمل نفس النفس الإبداعي الذي ميز أعمالها السابقة، حيث كشفت عن اشتغالها على فيلم وثائقي جديد بعنوان Don’t Let the Sun Go Up on Me، وهو مشروع يتناول حياة أشخاص يعانون من حساسية نادرة تجاه الضوء، معتمدة مرة أخرى على المزج بين الواقع والشاعرية في بناء الصورة السينمائية. وأكدت في حواراتها أن هذا المشروع جاء نتيجة سنوات من الملاحظة والتصوير والاقتراب من الشخصيات، معتبرة أن السينما تمنح فرصة لفهم تجارب إنسانية قد تبقى بعيدة عن اهتمام الجمهور.
وعبرت المخرجة المغربية عن اعتزازها بالمكانة التي أصبحت تحتلها السينما المغربية على المستوى الدولي، مؤكدة أن نجاح أي فيلم لا يرتبط فقط بالجوائز، وإنما بقدرته على الوصول إلى المتلقي وطرح قضايا تحمل قيمة إنسانية. وأضافت أن المخرج يحتاج إلى الجرأة لاختيار مواضيع مختلفة، وإلى البحث عن لغة سينمائية خاصة تمكنه من التعبير عن أفكاره بعيدا عن القوالب الجاهزة. وقد جعل هذا التوجه أسماء المدير من الأصوات التي تمثل جيلا جديدا من السينمائيين المغاربة الذين يسعون إلى تقديم أعمال تحمل هوية محلية برسالة عالمية.
وبفضل اختياراتها الفنية المختلفة، استطاعت أسماء المدير أن تحول التجارب الشخصية والذكريات العائلية إلى أعمال تحمل أبعادا إنسانية واسعة، لتثبت أن السينما الوثائقية قادرة على منافسة مختلف الأنواع الفنية عندما تعتمد على رؤية عميقة وأسلوب مبتكر. فمسارها يؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، وإنما بقدرة الفنان على منح القضايا البسيطة معنى أكبر وتحويل القصص الصامتة إلى صور تبقى في ذاكرة الجمهور. وتبقى تجربة أسماء المدير نموذجا لمسار فني مغربي يواصل البحث عن آفاق جديدة داخل السينما الوطنية والعالمية.

أسماء المدير تواصل مسارها السينمائي برؤية إبداعية وتؤكد حضور السينما المغربية عالميا