كريم بولمال يؤكد أن الإصرار يصنع نجاح التجارب السينمائية رغم قلة الإمكانيات

بين الحلم الفني وقسوة الواقع، تولد تجارب إبداعية تختبر قدرة أصحابها على الصمود أمام العراقيل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالسينما التي تحتاج إلى إمكانيات كبيرة حتى ترى المشاريع النور. وفي ظل التحديات المرتبطة بالتمويل وظروف الإنتاج، يواصل عدد من الفنانين خوض مغامرات استثنائية من أجل تقديم أعمال تحمل رؤى مختلفة وتلامس قضايا المجتمع، وهو ما يجعل بعض التجارب السينمائية شاهدة على قوة الإرادة أكثر من كونها مجرد أعمال فنية.

ويعد كريم بولمال من الفنانين المغاربة الذين اختاروا بناء مسارهم عبر التمثيل والمشاركة في أعمال تهتم بالجانب الإنساني والاجتماعي، حيث عرف بحضوره في أدوار متنوعة تتطلب قراءة عميقة للشخصيات وتجسيدا لمختلف التحولات النفسية التي تعيشها. واستطاع بولمال أن يراكم تجربة مميزة جعلته قريبا من الأعمال التي تحمل رسائل وقضايا مرتبطة بالواقع، مع الحفاظ على اختيارات فنية تسعى إلى تقديم مضامين هادفة للجمهور.

وكشف كريم بولمال في تصريح للصحافة أن الإنتاج الذاتي في المجال السينمائي يظل من أصعب الرهانات التي يمكن أن يخوضها الفنان أو المنتج، بسبب الحاجة إلى موارد مالية مهمة لإنجاز عمل متكامل. وأوضح أن صناعة الأفلام تتطلب توفير ميزانيات خاصة بالأجور والديكورات والتجهيزات التقنية، وهو ما يجعل استمرار العديد من المشاريع أمرا معقدا في ظل غياب الدعم الكافي الذي يساعد على تجاوز مختلف الإكراهات.

وأضاف الممثل المغربي أن الاعتماد على الإنتاج الذاتي لا يرتبط فقط بالجانب المادي، بل يمثل أيضا تعبيرا عن التعلق بالفن والرغبة في تحقيق مشروع إبداعي رغم المخاطر. وأشار إلى أن أصحاب هذه التجارب يضعون ثقتهم في قيمة أعمالهم، وينتظرون أن تجد طريقها إلى الجمهور وأن تحقق نتائج تساعد على مواصلة المسار، مؤكدا أن الدعم الذي قد تحصل عليه بعض الأعمال بعد إنتاجها لا يكون دائما كافيا لتغطية الصعوبات التي ترافق مراحل الإنجاز.

وتحدث بولمال عن تجربته في فيلم “الوترة”، معتبرا أنها تجسد بشكل واضح الصعوبات التي يمكن أن تواجه الإنتاج المستقل، بعدما عرف المشروع توقفات خلال فترة التصوير قبل أن يعود إلى الاستوديوهات سنة 2023. ورغم محدودية الإمكانيات وغياب الدعم المالي، فقد تمكن الفريق الفني والتقني من استكمال العمل بفضل التضامن بين مختلف مكوناته والإصرار على تقديم تجربة سينمائية تحافظ على رؤيتها الخاصة.

ووصل الفيلم إلى القاعات السينمائية بعد مسار طويل من التحديات، حيث اعتبر بولمال أن هذه الخطوة تمثل ثمرة مجهود جماعي شارك فيه المخرج والفنانون والتقنيون. وأكد أن الظروف الصعبة لم تمنع الفريق من الدفاع عن المشروع، بل شكلت دافعا إضافيا من أجل تقديم عمل يعكس قضايا اجتماعية قريبة من حياة الناس ويعبر عن انشغالات فئة واسعة من الشباب.

ويجسد كريم بولمال داخل الفيلم شخصية رجل ثري يمتلك حانة ليلية، وهي شخصية تحمل أبعادا متناقضة وتكشف عن جوانب مختلفة من عالم مليء بالصراعات. وتتمحور الأحداث حول “شعيبة”، الشاب القادم من البادية إلى المدينة بحثا عن فرصة جديدة، قبل أن يجد نفسه في مواجهة واقع معقد يغير مسار حياته ويضعه أمام اختبارات قاسية.

ولا يقدم العمل قصة فردية فقط، بل يفتح المجال لمناقشة مجموعة من الظواهر الاجتماعية التي تؤثر في حياة الأفراد، خاصة ما يرتبط بالمخدرات والصراعات النفسية والاجتماعية. ومن خلال رحلة “شعيبة”، يتم تسليط الضوء على الصراع بين الطموح والظروف المحيطة، وكيف يمكن لبعض التحولات أن تدفع الإنسان نحو مسارات لم يكن يتوقعها.

كما يعالج الفيلم تأثير البيئة الاجتماعية والاقتصادية على اختيارات الشباب، من خلال شخصية تنتقل من البحث عن النجاح إلى مواجهة نتائج قرارات صعبة. ويبرز العمل دور السينما في تناول القضايا الحساسة، باعتبارها وسيلة للتعبير عن الواقع وطرح أسئلة حول أسباب الانحراف وتأثير الضغوط اليومية على الأفراد.

ويعتمد الفيلم على الانتقال بين مرحلتين زمنيتين مختلفتين، تمتدان من سنة 1997 إلى سنة 2023، من أجل متابعة التطورات التي عاشتها شخصية “شعيبة” عبر السنوات. ويساعد هذا الأسلوب في إبراز التحولات التي طرأت على البطل، سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية، كما يكشف أثر الزمن والتجارب القاسية في تشكيل مسار الإنسان.

ويركز العمل أيضا على تداعيات المخدرات وتأثيرها على حياة الشخصية الرئيسية، حيث يقدم صورة عن الانهيار الذي يمكن أن يسببه الإدمان على المستوى الشخصي والمهني. وفي المقابل، يبرز محاولات البحث عن التغيير واستعادة التوازن رغم العقبات، في رسالة تؤكد أهمية الوعي والدعم في مواجهة هذه الظواهر.

ويقدم كريم بولمال من خلال هذه التجربة رؤية فنية تجمع بين التشخيص الدرامي والاهتمام بالقضايا الاجتماعية، مؤكدا أن السينما يمكن أن تكون مساحة لطرح مواضيع عميقة تمس المجتمع. كما يعكس مسار الفيلم قيمة الإصرار على إنجاز المشاريع الإبداعية رغم قلة الإمكانيات، عندما تتوفر الرغبة في تقديم عمل يحمل معنى ورسالة.

كريم بولمال يؤكد أن الإصرار يصنع نجاح التجارب السينمائية رغم قلة الإمكانيات