يعد زيت الأركان من أبرز المنتجات الطبيعية التي تشتهر بها جهة سوس ماسة، خاصة في نواحي أكادير والصويرة، حيث يرتبط هذا الزيت الفريد بحياة النساء القرويات وبالتعاونيات الحرفية التي حافظت على طرق استخراجه التقليدية عبر الأجيال. ويلقب زيت الأركان ب”الذهب السائل” نظرا لقيمته الغذائية والتجميلية العالية، إضافة إلى كونه منتوجا طبيعيا نادرا لا ينمو إلا في جنوب غرب المغرب. وتبدأ رحلة هذا الزيت من ثمار شجرة الأركان، لتنتهي بعملية عصر وتقطير دقيقة تنتج ثلاثة أنواع أساسية: زيت غذائي، وزيت تجميلي، وزيت علاجي، يتم تسويقه محليا وعالميا حتى في أكبر المعارض الدولية.
جني ثمار الأركان وبداية المسار الإنتاجي:
تنطلق عملية إنتاج زيت الأركان من مرحلة جني الثمار التي تتم عادة في فصل الصيف، حيث تقوم النساء بجمع ثمار شجرة الأركان من الغابات المنتشرة في سوس. بعد الجمع، يتم فرز الثمار بعناية للتأكد من جودتها، ثم تترك لتجف تحت أشعة الشمس لعدة أيام. هذه المرحلة مهمة لأنها تسهل عملية استخراج النواة الداخلية لاحقا، كما تحافظ على جودة الزيت النهائي وتمنع تلف المادة الأولية.
تقشير الثمار واستخراج النواة:
بعد التجفيف، تبدأ مرحلة تقشير ثمار الأركان، وهي عملية تقليدية دقيقة تعتمد على أدوات بسيطة مثل الحجرين أو اليد، حيث يتم كسر القشرة الخارجية الصلبة للوصول إلى النواة الداخلية. هذه النواة تعتبر الأساس الحقيقي لإنتاج الزيت، وتجمع بعناية كبيرة لأنها حساسة وتحتاج إلى معالجة دقيقة. في هذه المرحلة، يتم فرز النوى الجيدة من التالفة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على جودة الزيت المستخرج لاحقا.
التحميص أو التجفيف حسب نوع الزيت:
تختلف هذه المرحلة حسب نوع الزيت المراد إنتاجه. ففي حالة زيت الأكل، يتم تحميص النوى فوق نار هادئة لإعطائها نكهة مميزة ورائحة مميزة، بينما في حالة زيت التجميل يتم تجنب التحميص للحفاظ على خصائصه الطبيعية. بعد ذلك، تطحن النوى إما يدويا باستخدام الرحى التقليدية أو بطرق شبه حديثة داخل التعاونيات، لتتحول إلى عجينة زيتية كثيفة تسمى “العجين اللبي”.
العصر اليدوي واستخراج الزيت:
تأتي مرحلة العصر، وهي من أكثر المراحل صعوبة في عملية إنتاج زيت الأركان. حيث تقوم النساء بعجن المادة الناتجة يدويا لفترات طويلة، مع إضافة كميات قليلة من الماء في بعض الحالات، مما يساعد على فصل الزيت عن البقايا الصلبة. ومع استمرار العجن والضغط، يبدأ الزيت في الظهور تدريجيا ليجمع في أوان خاصة. وتشير بعض التقديرات إلى أن استخراج لتر واحد من زيت الأركان قد يتطلب كميات كبيرة من الثمار، ما يفسر قيمته المرتفعة في الأسواق.
التصفية والتخزين والتقطير النهائي:
بعد استخراج الزيت، تتم عملية التصفية لإزالة الشوائب الدقيقة، ثم يترك ليستقر قبل تعبئته. في بعض التعاونيات الحديثة، يتم اعتماد تقنيات إضافية للتقطير والتصفية لضمان جودة أعلى ونقاء أكبر، خاصة في المنتجات الموجهة للتصدير. بعد ذلك يخزن الزيت في أوعية زجاجية أو معدنية بعناية لحمايته من الضوء والحرارة، مما يحافظ على خصائصه الغذائية والتجميلية.
تصنيف زيت الأركان: غذائي، تجميلي، وعلاجي:
يتم تقسيم زيت الأركان إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب طريقة الاستخراج والاستخدام. زيت الأكل يستعمل في الطبخ المغربي التقليدي ويتميز بنكهته الغنية وفوائده الصحية. أما زيت التجميل فيستخدم للعناية بالبشرة والشعر بفضل احتوائه على فيتامين “E” والأحماض الدهنية. بينما يستعمل الزيت العلاجي في بعض التطبيقات المرتبطة بالطب البديل لما له من خصائص مرطبة ومضادة للأكسدة.
التسويق والمعارض الدولية ودور التعاونيات:
لم يعد زيت الأركان منتوجا محليا فقط، بل أصبح علامة عالمية تعرض في أكبر المعارض الدولية الخاصة بالمنتجات الطبيعية ومستحضرات التجميل. وقد لعبت التعاونيات النسائية في سوس أكادير دورا محوريا في هذا الانتشار، من خلال تحسين جودة الإنتاج وتطوير أساليب التعبئة والتسويق. كما ساهمت الشراكات مع شركات عالمية في رفع قيمة هذا المنتوج وجعله أحد أهم صادرات المغرب الطبيعية.
يمثل زيت الأركان في سوس أكادير نموذجا فريدا يجمع بين الطبيعة والتراث والعمل النسائي الحرفي، حيث تتحول ثمرة بسيطة إلى منتوج عالمي عالي القيمة عبر سلسلة دقيقة من المراحل التقليدية. وبين الحفاظ على الأساليب القديمة وإدخال التقنيات الحديثة في التصفية والتسويق، يواصل هذا الزيت تعزيز مكانته كأحد أهم الثروات الطبيعية التي يفتخر بها المغرب في الأسواق المحلية والدولية.