يقدم الفنان إسماعيل العلوي الفضلي مشروعه الفني تحت عنوان “تحت وطأة الهدم” داخل فضاء “غرفة الفنان” بالمتحف، في تجربة بصرية تعكس تحولات المجال الحضري وتستحضر أثر التغيير على الذاكرة الجماعية، حيث يندرج هذا الحدث ضمن فعاليات الدورة الثالثة من “ماي الفوتوغرافيا” التي اختارت هذه السنة الاشتغال على ثيمة الذاكرة بصيغها المتعددة، والتي تمتد من أواخر أبريل إلى نهاية ماي، بينما يستمر عرض هذا المشروع من بداية ماي إلى غاية أوائل غشت بإشراف وتنسيق فرح معقل المسؤولة عن المعارض بالمؤسسة.
1
2
3
وينظم هذا الموعد الثقافي بمبادرة من المعهد الفرنسي وبتعاون مع مجموعة من الشركاء الثقافيين من بينهم متحف الفن المعاصر الإفريقي المعدن، ودار دنيس ماسون، ودار التصوير، ومنتجع السعدي، ونجوم جامع الفنا، ومؤسسة علي زاوا، ومؤسسة مونتريسو، وجمعية تراث، إضافة إلى متحف إيف سان لوران وفضاء 18، في إطار دينامية فنية تهدف إلى دعم التصوير الفوتوغرافي وتعزيز حضوره داخل المشهد الثقافي.
ويعتبر هذا المشروع عملا فوتوغرافيا توثيقيا ينشغل بتفكيك مظاهر التدمير التي تطال الفضاءات الطبيعية والعمرانية، من خلال تتبع أوراش البناء وما تخلفه من تحولات، حيث تطور هذا العمل عبر تجارب متعددة في سياقات مختلفة شملت سيهانوكفيل بكمبوديا، وبوسكورة بالمغرب، ورومانفيل بفرنسا، ما أتاح للفنان توسيع رؤيته حول علاقة الإنسان بالمجال الذي يعيش فيه.
ويركز المعرض في هذه النسخة على مدينة الدار البيضاء باعتبارها مسقط رأس الفنان، مع اهتمام خاص بالمناطق المحيطة بالمدينة القديمة، حيث تتعرض مبان تاريخية تعود إلى بدايات القرن العشرين والمشيدة وفق طراز آرت ديكو لعمليات هدم متواصلة، لتفسح المجال أمام بنايات جديدة أكثر نمطية وصناعية، في مشهد يعكس التحولات العمرانية المتسارعة التي تعرفها المدينة.
ومن خلال عدسته، يوثق الفنان اللحظات الأخيرة لهذه الأمكنة قبل اختفائها، إذ يقترب من تفاصيل حياة السكان والعمال الذين يعيشون وسط هذه التحولات، مسلطا الضوء على علاقتهم اليومية بالمكان وعلى أثر هذه التغييرات في ذاكرتهم الجماعية، حيث تتحول اللحظة الراهنة تدريجيا إلى ماض محفوظ في الصور.
ويعمل المشروع على إبراز تلك اللحظة الدقيقة التي ينتقل فيها الحاضر إلى ذاكرة، كما يسعى إلى تثبيت لحظة الهدم على سطح الخرسانة وكأنها أثر منقوش في الحجر، إذ ترصد الصور حركة العمال وجمع الأنقاض، وتظهر أشكال الصمود التي يبديها بعضهم، خاصة أولئك المنحدرين من نفس الأحياء، والذين يحاولون الحفاظ على بقايا من الفضاء الذي نشأوا فيه وعاشوا تفاصيله.
كما تكشف هذه الأعمال عن حالة انتظار مشتركة يعيشها جزء من السكان، تتأرجح بين القلق والارتياح، في وقت يتلاشى فيه محيطهم تدريجيا، حيث تلتقط الصور هذه المشاعر المتباينة وتمنحها بعدا إنسانيا يعكس عمق التحول الذي تعرفه هذه المناطق.
وتتخذ الأعمال المعروضة شكل جداريات مطبوعة على ألواح من الخرسانة والإسمنت الجاهز، يتم أحيانا تقطيعها وإعادة تركيبها في صيغ بارزة ثلاثية الأبعاد، كما يستكمل العرض بعناصر تركيبية من بينها مقاعد خرسانية مستوحاة من تلك التي اعتادت النساء والأطفال الجلوس عليها لمتابعة هدم منازلهم، في تجسيد بصري يعكس العلاقة بين الإنسان والمجال.
ويتم إنجاز هذه الأعمال داخل أجزاء لا تزال قائمة من المدينة القديمة، وذلك بتعاون مع حرفيين محليين ينحدرون من نفس الفضاء، من بينهم من سبق له أن أقام في بنايات تم هدمها، حيث تندرج هذه اللقاءات ضمن مقاربة تقوم على تبادل المعرفة وتثمين المهارات المحلية في سياق حضري يعرف تحولات عميقة.
ويرافق المعرض فيلم وثائقي بالأبيض والأسود يعتمد أسلوبا تأمليا، يرصد الاستخدامات اليومية للمباني وحركة سكانها، ثم يتتبع مراحل هدمها المختلفة، كما يتضمن العمل الصوتي شهادة أحد سكان المدينة القديمة، ما يمنح السرد بعدا إنسانيا مرتبطا بذاكرة معاشة تنقل تجربة المكان وتحولاته.
ومن خلال هذا المشروع، يقدم الفنان أيضا تأملا شخصيا ينبع من اختفاء حي مألوف بالنسبة إليه، حيث يسلط الضوء في الوقت ذاته على قدرة السكان والعمال على الصمود أمام هذه التحولات، مؤكدا أن الحاضر يتحول باستمرار إلى ذكريات، وأن زوال الأماكن يرسخها في الذاكرة بشكل مختلف.
ويعد إسماعيل العلوي الفضلي فنانا ومخرجا يحمل الجنسية الفرنسية المغربية، ولد بمدينة الدار البيضاء ويقيم ويشتغل بين المغرب وباريس، حيث تلقى تكوينه في تصميم الأشياء بمعهد ISDAT بتولوز، قبل أن يحصل على دبلوم من المدرسة الوطنية العليا للفنون بباريس-سيرجي، ثم واصل دراسته في مجال السينما ضمن برنامج Kourtrajmé تحت إشراف لادج لي، ما أتاح له تطوير مسار فني متعدد التخصصات.
وترتكز ممارسته الفنية على استكشاف قضايا العمل الهش والاقتصاد غير المهيكل، إلى جانب البحث في القيم الرمزية المرتبطة بالعمل، مع العمل على طمس الحدود بين الواقع والخيال، كما أسس “الجامعة الدولية لحراسة السيارات” كمشروع فني تخييلي يسلط الضوء على مسألة الاعتراف بالمهن المهمشة وإبراز حضورها داخل المجتمع.
ويعتبر متحف الفن المعاصر الإفريقي المعدن بمراكش مؤسسة خاصة غير ربحية، تعد من بين أولى المتاحف من هذا النوع في القارة الإفريقية، حيث يسعى إلى دعم الفن الإفريقي عبر برامجه التربوية ومعارضه التي تستهدف إشراك جمهور واسع وتعزيز التفاعل مع الإبداع المعاصر.
ومن خلال اقتناء وعرض أعمال لفنانين مرموقين وآخرين صاعدين، يساهم المتحف في تعميق فهم الفن الإفريقي المعاصر وإبراز غناه وتنوعه الثقافي، كما يقدم أعمالا من المغرب ودول الجوار عبر وسائط فنية متعددة، إلى جانب تنظيم معارض تفتح حوارا مع محيط القارة وتستضيف فنانين من خلفيات مختلفة.
وتعد “غرفة الفنان” فضاء داخل المتحف مخصصا لاحتضان المعارض المؤقتة سواء كانت فردية أو جماعية، حيث يستقبل مشاريع فنية معاصرة ويتيح استكشاف التقاطعات بين الفن ومجالات أخرى مثل الحرف والتصميم وفنون الأداء، في إطار رؤية تسعى إلى توسيع آفاق التعبير الفني وتعزيز التجريب.