الاسم والصوت الذي صنع التاريخ:
1
2
3
عبد الهادي بلخياط لم يكن مجرد صوت في عالم الغناء المغربي، بل كان تجربة فنية متكاملة أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية المغربية الحديثة، وجمع بين القوة في الأداء والوقار في الحضور، ليترك إرثا غنائيا حاضرا في ذاكرة الجمهور المغربي عبر عقود طويلة من الفن والإبداع.
البدايات والنشأة:
ولد بلخياط سنة 1940 في مدينة فاس، حيث تأثر بالألحان التقليدية والإنشاد الروحي، قبل أن تنتقل أسرته إلى الدار البيضاء وهو في السابعة، وهناك قضى سنوات الطفولة الأولى ونشأته الثقافية. وعانى من ظروف اجتماعية صعبة اضطرته لمغادرة الدراسة بعد الشهادة الابتدائية، والعمل مع والده في النجارة ثم كسائق في وزارة الشباب والرياضة بالرباط، ما قربه من الوسط الفني وفتح له أبواب الإذاعة والموسيقى.
انطلاقة الغناء والإذاعة:
توجه شغف بلخياط نحو دار الإذاعة في الدار البيضاء، وبدأ أولى تجاربه الغنائية التي حظيت بتقدير الجمهور، ما شجعه على مواصلة المسيرة. ومع مطلع ستينيات القرن الماضي، تعزز حضوره الإذاعي، ثم سافر إلى القاهرة لصقل موهبته والانفتاح على مدارس موسيقية عربية أوسع، لكنه اختار العودة إلى المغرب ليؤسس لمساره الفني باللغة واللهجة المغربية.
التجربة السينمائية المؤقتة:
قبل الاستقرار النهائي في المغرب، خاض بلخياط تجربة التمثيل بين القاهرة ولبنان، وشارك في أفلام غنائية واستعراضية مثل «الدنيا نغم» و«أين تخبئون الشمس»، غير أن حبه للغناء جعله يعود لتركيز جهوده على الموسيقى وتطوير صوته في الأغنية المغربية.
رصيد غنائي خالد:
ترك بلخياط إرثا غنيا من الأغاني التي جمعت بين الزجل المغربي والقصيدة العربية الفصحى، ورافقه في مسيرته أسماء بارزة مثل عبد الوهاب الدكالي ونعيمة سميح، ومن أبرز أعماله: «القمر الأحمر»، «يا بنت الناس»، «رموش»، «الهاتف»، «الموعد»، «الشاطئ»، «الأمس القريب»، «غني لي الليلة»، و«بسمة الأمل». كما أدى أعمالا لشعراء كبار مثل نزار قباني، منها «طوق الياسمين» و«الهاتف».
مكانة وطنية وعلاقة بالمؤسسة الملكية:
حظي بلخياط بمكانة خاصة لدى الملك الراحل الحسن الثاني الذي قدر صوته، وأسند إليه أداء نشيد العرش سنة 1962، بالإضافة إلى غناء أعمال وطنية مثل «عرين الأسد»، ما عزز صورته كفنان وطني يحظى بثقة الدولة والجمهور معا، ويجمع بين الرصيد الفني والبعد الرمزي لمواقفه الوطنية.
الاعتزال والتفرغ للأعمال الروحية:
في 2012 أعلن اعتزاله الغناء ليتفرغ للإنشاد والأعمال الدينية، لكنه بقي حاضرا في المناسبات الوطنية، مثل مشاركته في مهرجان “موازين” سنة 2015، وقدم أعمالا تحمل رسائل إنسانية ووطنية مثل «خويا الصحراوي» و«الله أجاري»، محافظا على جاذبية صوته ورصيده الفني.
الرحيل والأثر الباقي:
قبل وفاته، تعرض بلخياط لوعكة صحية أثناء تواجده في الداخلة، ونقل إلى المستشفى العسكري بالرباط حيث وضع تحت العناية المركزة بسبب مضاعفات تنفسية، ليودع المغرب صوتا استثنائيا وتجربة فنية شكلت وجدان أجيال، مؤكدة أن الفن الحقيقي يقاس بعمق الأثر لا بزمن الحضور، وأن إرث عبد الهادي بلخياط سيظل حاضرا في ذاكرة الجماهير وصوته مترددا في الأغاني التي أحبها الجميع.