بشعر كثيف متمرد وإطلالة شبابية فريدة، كسر القوالب النمطية لنجوم الغناء العربي ليصنع لنفسه هوية بصرية وموسيقية لا تشبه أحدا؛ فكيف استطاع هذا الشاب القادم من عمق المغرب أن يمزج بحرفية عالية بين الإيقاعات الشرقية، اللمسات المغربية، والنغمات البوليوودية العالمية؟ إنه الفنان الذي لم يكتف بنجاح محلي، بل قاده طموحه الاستثنائي ليكون أول فنان عربي يترشح ويفوز بجوائز الموسيقى العالمية “MTV”، محولا مسيرته الغنائية إلى جسر ثقافي يربط بين الشرق والغرب بأسلوب معاصر ومنفرد.
يعد الفنان عبد الفتاح الجريني، المولود في 10 يناير 1985 بمدينة مراكش الحمراء، واحدا من ألمع نجوم الأغنية المغربية والعربية المعاصرة. انطلقت رحلته الفنية الفعلية عقب مشاركته المتميزة في برنامج اكتشاف المواهب “ألبوم” عام 2007، حيث لفت الأنظار بصوته الدافئ وإحساسه العالي. وخلال مسيرته الغنية، أصدر باقة من الألبومات الناجحة، وتألق في تقديم الأغاني المصورة التي حققت ملايين المشاهدات، مثل النسخة العربية لأغنية النجم العالمي شاروخان “Jabra Fan”، وأغنية “لويا”، وصولا إلى ارتباطه الفني والعاطفي بالفنانة المغربية جميلة البدوي التي شكل معها ثنائيا ناجحا في الحياة والفن.
وكشف في حديث للإعلام أن طرح أعماله الفنية الأخيرة يمثل محطة هامة للغاية في مساره تحاكي التغيرات الواسعة التي طرأت على الساحة الموسيقية. وعبر الجريني في هذا السياق عن سعادته الغامرة بتقديم باقة غنائية تمزج بشكل مدروس بين الطابع الرومانسي الهادئ والدراما الإنسانية، مشيرا إلى أن التحضير لهذه المشاريع استغرق جهدا كبيرا لاختيار الكلمات والألحان التي تتناسب مع تطلعات ومشاعر المستمعين. وأوضح في معرض تفسيراته أن نتاجه الفني الأخير يعكس حرصه الدائم على تقديم محتوى متنوع يلبي مختلف الأذواق في الوطن العربي، دون حصر نفسه في لون غنائي واحد.
وفي معرض حديثه عن كواليس إنتاجاته، أكد الجريني في تصريحاته الأخيرة أن تعاونه مع نخبة من كبار الشعراء والملحنين والموزعين في ألبوماته الأخيرة أتاح للأغاني أن تتنوع وتكسب بعدا فنيا مميزا. وأوضح الفنان المغربي أن عودته الأخيرة إلى “الستايل” والمظهر القديم الذي عرف به في بداياته الفنية جاءت تلبية لرغبة شريحة واسعة من جمهوره الذي ارتبط معه وجدانيا بهذا المظهر. وأكد في الوقت ذاته أن الأغاني المشتركة (الديو) التي قدمها، مثل عمله الأخير مع النجم الهندي “يو يو عسل سينغ” في أغنية “Teri Yaadein”، كانت بهدف تقديم صدمة فنية إيجابية وتجربة متكاملة تجمع بين الثقافات الموسيقية المختلفة.
وعبر في حوار إعلامي عن نضجه الفكري والفني الذي تبلور مع مرور السنوات، مشددا على أن نظرته للأمور وطريقة اختياره لأعماله الفنية قد تغيرت بشكل جذري مقارنة ببداياته. وأضاف الجريني في إفادته أنه بات يشعر بمسؤولية أكبر تجاه المواضيع والمواقف التي يطرحها في أغانيه، مستطردا بأنه أصبح أكثر صبرا وتأنيا في ترقب النتائج ومتابعة الموسيقى بشتى أنواعها عالميا. وتابع موضحا في سياق كلامه أن الفنان الحقيقي يجب ألا يتوقف عند سقف نجاح معين، بل عليه أن يتطور باستمرار ويستفيد من التراكمات المعرفية والعملية في مهنته.
وأردف الفنان في حديثه متطرقا إلى الجانب الإنساني والشخصي الذي أثر على مسيرته، لاسيما فترات غيابه السابقة عن الساحة الوطنية بالمغرب، حيث باح في اعترافات مؤثرة بأن وفاة والدته كانت السبب الرئيس وراء صعوبة عودته السريعة بسبب الحزن والشعور بالفراغ الذي تركه رحيلها في بيته بمدينة الدار البيضاء. واسترسل مبينا في توضيحاته أنه رغم استقراره الطويل بمصر وعلاقته الوطيدة بشعبها الذي يعتبره جمهوره الثاني، فإن حنينه لبلده الأصلي وتطوير الأغنية المغربية يظل أولويته القصوى. وأنهى كلماته مؤكدا أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يتجلى في الاستمرار بتقديم إبداع صادق يحترم ذكاء المتلقي ويضمن مكانة الأغنية العربية في المحافل الدولية.
تثبت تجربة عبد الفتاح الجريني الحقيقية أن التميز في عالم الفن يتطلب شجاعة في التجريب وثباتا في المبدأ؛ فقوة أدائه وذكاؤه في اختيار مشاريعه الموسيقية يعكسان بوضوح نضج النجم العالمي الذي لم تنسه الأضواء جذوره وثقافته، ليظل سفيرا فوق العادة للموسيقى المغربية المعاصرة وبوصلة للتجديد والابتكار في الوطن العربي.
قد يعجبك ايضا