قد يبدو الخلاف في بدايته بسيطا وعابرا، لكن حين يتدخل الكبرياء وتتحول الرغبة في رد الاعتبار إلى انتقام، يمكن لموقف صغير أن يقلب حياة أشخاص رأسا على عقب. هذا ما يقدمه الفيلم التلفزي المغربي الجديد «من الحبة قبة»، من خلال قصة اجتماعية مشوقة تتداخل فيها الخصومة والغضب والانتقام، قبل أن يجد أبطالها أنفسهم أمام اختبار صعب يدفعهم إلى مراجعة مواقفهم ومواجهة ذواتهم.
وأنهى المخرج المغربي لطفي آيت جاوي تصوير الفيلم بمدينة أكادير لفائدة القناة الأولى، في عمل من تأليف إسماعيل مجاهد وإنتاج شركة «كاستيس فيلم»، ويشارك في بطولته كل من أيوب أبو نصر وعادل أبا تراب وحسناء النايت وبوبكر فهمي وعبد اللطيف عاطف وحسن علوي.
وتنطلق قصة «من الحبة قبة» من سوء تفاهم بسيط يجمع بين «إبراهيم» و«الحسين»، غير أن الموقف لا ينتهي عند حدود مشادة عابرة، بل يتحول تدريجيا إلى خصومة تتغذى على الغضب والرغبة في الانتقام، لتبدأ معها سلسلة من الأحداث التي تكشف تأثير الحقد والكبرياء على حياة الإنسان وعلاقاته بمن حوله.
ويطرح الفيلم من خلال هذه الحكاية مجموعة من المواضيع المرتبطة بالعلاقات الإنسانية، وفي مقدمتها صعوبة الاعتراف بالخطأ والتمسك بالكبرياء، إضافة إلى النتائج التي قد تترتب عن الرغبة في الانتقام، مقابل التأكيد على أهمية الحوار والتواصل والوساطة في تجاوز الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات أكثر تعقيدا.
وتدور الأحداث حول «إبراهيم»، وهو سائق سيارة أجرة وأب أعزب يتولى تربية ابنته «ليلى»، في الوقت الذي يواجه فيه صعوبات في علاقته بطليقته «سميرة» وزوجها الحالي «نادر». أما «الحسين»، فهو شاب عاطل عن العمل يعيش رفقة والديه ويرتبط عاطفيا ب«أمينة»، قبل أن يجد نفسه طرفا في خلاف سيؤثر على مجريات حياته.
وتبدأ شرارة القصة خلال أحد الصباحات، عندما يواجه إبراهيم، أثناء عمله سائقا لسيارة أجرة، مجموعة من المشاكل مع الركاب تتسبب في تأخره عن موعد اصطحاب ابنته من منزل طليقته. وفي الوقت نفسه، يكون الحسين منشغلا بالاستعداد لمقابلة عمل، وسط ضغط والديه بسبب وضعه المهني.
وتتقاطع طريق الرجلين عند إحدى إشارات المرور، حين يتسبب الحسين، الذي كان يقود دراجته الهوائية، من دون قصد في تأخير إبراهيم، فتندلع بينهما مشادة بسبب الواقعة. وبينما كان من الممكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، فإن مجموعة من الظروف اللاحقة ستدفع الخلاف إلى مسار مختلف تماما.
وتزداد الأمور تعقيدا عندما يتصل إبراهيم بطليقته، فتخبره بأنها وصلت بالفعل إلى المطار رفقة ابنتهما وأنها ستغادر معها لمدة أسبوعين، وهو ما يعني أنه لن يتمكن من رؤية ابنته خلال هذه الفترة. ويجد إبراهيم نفسه أمام إحباط جديد يزيد من توتره، في الوقت الذي تتحول فيه المواجهة العابرة مع الحسين إلى خصومة حقيقية.
ويركز الفيلم على التحولات النفسية التي تعيشها الشخصيات، وعلى الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان عندما يسمح للغضب والرغبة في الانتقام بالتحكم في قراراته. ويظهر ذلك من خلال مسار إبراهيم الذي يحاول التعامل مع إحباطاته ومشاكله الشخصية، وإعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع مسؤولياته كأب.
أما الحسين، الذي يظهر في بداية الأحداث كشاب مستهتر ومفرط في الثقة بنفسه، فيجد نفسه تدريجيا أمام نتائج اختياراته، ويكتشف أن السعي إلى الانتقام لا يؤدي بالضرورة إلى الانتصار، بل يمكن أن يرتد على صاحبه ويؤثر في حياته الخاصة وعلاقته العاطفية واستقراره النفسي.
كما يسلط العمل الضوء على دور الأشخاص المحيطين بالطرفين في محاولة احتواء النزاع، حيث تسعى بعض الشخصيات إلى التدخل والوساطة من أجل دفع إبراهيم والحسين إلى الحوار والتوصل إلى حل ينهي الخصومة، في تأكيد على أهمية التواصل في تجاوز النزاعات التي قد تتضخم بسبب سوء الفهم والعناد.
ومع تطور الأحداث، يتحول الصراع من مجرد خلاف بين شخصين إلى رحلة لمراجعة الذات، إذ تبدأ الشخصيات في إدراك أن التمسك بالغضب والضغينة لا يقود سوى إلى مزيد من الخسائر، وأن الاعتراف بالأخطاء والتخلي عن الرغبة في الانتقام قد يكونان الطريق الحقيقي للخروج من الأزمة.
ويقدم «من الحبة قبة» بذلك قصة اجتماعية تجمع بين الصراع والتشويق والبعد الإنساني، وتضع أبطالها أمام سؤال أساسي حول الثمن الذي يمكن أن يدفعه الإنسان عندما يسمح لخلاف بسيط بأن يتحول إلى معركة مفتوحة، قبل أن تقودهم الأحداث في النهاية إلى مواجهة أنفسهم والبحث عن الخلاص.