في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو المغرب باعتباره أحد البلدان الثلاثة المنظمة لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، تتسارع وتيرة الأوراش الكبرى التي تراهن المملكة من خلالها على تقديم نسخة استثنائية من هذا الحدث الرياضي العالمي، ولم يعد الاستعداد للمونديال مرتبطا بالملاعب فقط، بل أصبح ورشا وطنيا واسعا يشمل النقل والطرق والمطارات والفنادق والاتصالات والصحة والخدمات، بما يعكس رغبة واضحة في تحويل البطولة إلى فرصة لتسريع التنمية وتحديث المدن وتعزيز جاذبية المغرب على المستوى الدولي. وفي مارس 2026، كانت بعثة من الاتحاد الدولي لكرة القدم تستعد لزيارة المدن المغربية المرشحة، في إطار جولة تفقدية لمتابعة مستوى الاستعدادات والتنسيق بين مختلف الأطراف المنظمة.
وتأتي الملاعب في مقدمة هذه الأوراش، باعتبارها الواجهة الأساسية التي سيشاهدها ملايين المتابعين حول العالم، حيث يواصل المغرب العمل على تجهيز ستة ملاعب موزعة على الرباط وطنجة والدار البيضاء وأكادير ومراكش وفاس، إلى جانب مشروع الملعب الكبير الحسن الثاني بإقليم بنسليمان. وقد وضعت المملكة برنامجا لتأهيل الملاعب وفق معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعدما كانت الحكومة قد أعلنت في وقت سابق تعبئة اعتمادات مهمة لتحديث هذه المنشآت، فيما يتواصل تنفيذ مراحل مختلفة من المشاريع وفق آجال تمتد إلى حدود سنة 2028. وتشمل الأشغال تحسين المدرجات وتغطيتها وتطوير مرافق اللاعبين والجماهير ومناطق كبار الشخصيات ومواقف السيارات ووسائل الولوج، بما يجعل الملاعب قادرة على استقبال مباريات ذات مستوى عالمي.
ويحظى ملعب الحسن الثاني الكبير في بنسليمان باهتمام خاص، نظرا إلى حجمه وطموح المشروع المرتبط به، إذ من المنتظر أن تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 115 ألف متفرج، ما يجعله واحدا من أبرز الملاعب المنتظرة على الصعيد العالمي، كما يرتبط المشروع بمرافق رياضية وتجارية وفندقية ومراكز للمؤتمرات ومواقف للسيارات والحافلات، بما يعكس تصورا يتجاوز بناء ملعب لكرة القدم نحو إنشاء قطب متكامل قادر على احتضان التظاهرات الرياضية والثقافية والتجارية. ووفق المعطيات المنشورة حول المشروع، انطلقت أشغال الحفر في غشت 2024، بينما بدأت أشغال البناء في نونبر من السنة نفسها، مع برمجة نهاية الأشغال في نونبر 2028.
وفي باقي المدن المستضيفة، تسير مشاريع إعادة التأهيل في اتجاه تحويل الملاعب القائمة إلى منشآت أكثر حداثة واستجابة للمعايير الدولية، ففي طنجة شملت الأشغال إعادة تطوير الملعب الكبير ورفع طاقته الاستيعابية، مع خفض أرضية الملعب وإزالة مضمار ألعاب القوى، بينما يعرف ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط إعادة تصميم واسعة تتضمن تغطية المدرجات وتطوير فضاءات الاستقبال ورفع الطاقة الاستيعابية. أما ملعبا فاس ومراكش فتشملهما بدورهما مشاريع لتطوير المدرجات والأرضية والمرافق ومواقف السيارات، في حين يمر ملعب أكادير بمراحل لتحديث محيطه ومرافقه ورفع جاهزيته، وهي أوراش تجعل الاستعداد للمونديال مرتبطا أيضا بتحسين تجربة الجماهير وليس فقط باستقبال المباريات.
لكن الرهان المغربي لا يتوقف عند حدود المستطيل الأخضر، إذ تمتد الاستعدادات إلى منظومة النقل والتنقل داخل المدن وبينها، إضافة إلى المطارات والطرق والبنيات الفندقية والتجارية وشبكات الاتصال والخدمات الصحية، وهي قطاعات أعلنت الحكومة أنها توجد ضمن الأوراش الاستراتيجية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030. ويعني ذلك أن المدن الست المستضيفة مطالبة بتوفير قدرة أكبر على استقبال الجماهير والزوار والإعلاميين والوفود الرسمية، مع تسهيل انتقالهم بين المطارات والمحطات والملاعب ومراكز الإقامة، وهو ما يجعل مشاريع البنية التحتية الحالية جزءا من تصور أوسع لإعادة تنظيم الحركة داخل المدن وتقوية جاذبيتها السياحية والاقتصادية.
وبينما تتواصل الأشغال في مختلف المواقع، يبدو أن مونديال 2030 بالنسبة إلى المغرب يتجاوز فكرة تنظيم بطولة رياضية إلى مشروع تنموي واسع قد يترك إرثا طويل الأمد بعد صافرة نهاية المنافسات، فالملاعب الجديدة والمجددة، وشبكات النقل، وتطوير المطارات، وتعزيز الطاقة الاستيعابية للفنادق والخدمات، وتحديث الاتصالات والصحة، كلها استثمارات يمكن أن تستمر فائدتها بعد انتهاء البطولة. كما أن الإصلاحات التي شهدتها عدة ملاعب خلال السنوات الأخيرة بدأت تنعكس بالفعل على النشاط الرياضي الوطني، بعدما وفرت منشآت أكثر جودة للأندية والجماهير. ومع اقتراب موعد الحدث العالمي، يبقى التحدي الأساسي هو مواصلة تسريع الأوراش مع الحفاظ على الجودة والالتزام بالآجال، حتى يدخل المغرب سنة 2030 وهو لا يستعد فقط لاستقبال العالم، بل يقدم أيضا صورة جديدة عن مدنه وبنياته التحتية وقدرته على تنظيم أكبر التظاهرات الدولية.