لم يعد الرابور المغربي الحر مجرد اسم ارتبط بمرحلة معينة من تطور موسيقى الراب بالمغرب، بل أصبح واحدا من الفنانين الذين اختبروا قدرتهم على الاستمرار وسط مشهد موسيقي سريع التغير، تتبدل فيه الأذواق وتتسابق فيه الإصدارات على جذب انتباه الجمهور. وبين نجاحات صنعت له قاعدة جماهيرية واسعة وأعمال اختار من خلالها الاقتراب من مواضيع الحب والخذلان والحياة اليومية، ظل الفنان حريصا على الاحتفاظ بمسافة خاصة بينه وبين موجة الاستهلاك السريع للأغاني. ولعل ما يلفت في تجربته اليوم ليس فقط ما يقدمه من أعمال جديدة، وإنما الطريقة التي ينظر بها إلى الفن نفسه، وإلى المسؤولية التي يحملها الفنان تجاه جمهوره، وهي رؤية تكشف جانبا آخر من شخصية «الحر» بعيدا عن الصورة التي تصنعها الخشبة والكاميرات.
ولد مراد حلحول، المعروف فنيا باسم «الحر»، داخل تجربة الراب المغربي، واستطاع على امتداد سنوات أن يكون لنفسه أسلوبا خاصا جعله يحافظ على حضوره في الساحة الفنية. واعتمد في عدد من أعماله على الكتابة والتلحين والتعبير عن مشاعر وتجارب قريبة من الجمهور، وهو ما ساهم في انتشار أغانيه وتوسيع قاعدة متابعيه. كما راكم خلال مسيرته مجموعة من الإصدارات التي رسخت اسمه، من بينها أعمال حققت تفاعلا لافتا، قبل أن يواصل خلال السنوات الأخيرة إصدار أغنيات جديدة تؤكد رغبته في تطوير تجربته وعدم الاكتفاء بما حققه سابقا. وتأتي هذه المسيرة في سياق فني عرف تحولات كبيرة، خصوصا مع صعود المنصات الرقمية وتغير طريقة استهلاك الجمهور للموسيقى.
وفي تصريحات صحفية له، كشف الحر أن علاقته بالفن تتجاوز فكرة تقديم أغنية بهدف تحقيق الانتشار، موضحا أن الفنان، في نظره، مرتبط بالواقع وبالمجتمع الذي يعيش فيه، وقال إن «الفنان لسان الواقع والفن في الأول والأخير هو رسالة». ويعكس هذا التصريح جانبا أساسيا من رؤيته الفنية، إذ يبدو أن الكلمات بالنسبة إليه ليست مجرد وسيلة لصناعة أغنية ناجحة، وإنما أداة للتعبير عن مشاعر وأفكار وتجارب يمكن أن يجد فيها المستمع جزءا من حياته الخاصة. كما عبر عن تقديره للجمهور الذي يواكب أعماله ويتفاعل معها، معتبرا أن هذا التفاعل يمثل حافزا أساسيا بالنسبة إليه من أجل مواصلة الاشتغال وتقديم أعمال جديدة تحافظ على العلاقة التي بناها مع مستمعيه على امتداد السنوات.
وأضاف الحر، في حديثه عن أعماله، أن الاشتغال على الأغنية لا يتوقف عند كتابة الكلمات وتسجيلها، وإنما يتطلب أيضا وقتا وجهدا في التصوير والإخراج وإتمام التفاصيل المرتبطة بالصورة. وكشف أن عمله «عارفاني»، الذي أصدره سنة 2025، تطلب مجهودا كبيرا من مختلف أفراد الطاقم، مشيدا بالمجهود الذي بذله المخرج أيوب البودادي وفريق العمل من أجل تقديم الكليب بالشكل الذي أراده. وعبر الفنان عن أمله في أن يلقى العمل صدى لدى الجمهور، خصوصا أنه حمل، وفق ما صرح به، الكثير من المشاعر والرسائل التي أراد إيصالها من خلاله. وقد تمكنت الأغنية بالفعل من لفت الانتباه وتحقيق انتشار واسع، لتضيف محطة جديدة إلى مساره وتؤكد أن الحر لا يزال قادرا على استقطاب جمهوره حتى بعد سنوات من بداية تجربته الفنية.
ولم يتوقف الفنان عند هذا الحد، إذ واصل خلال سنة 2025 إصدار أعمال جديدة، من بينها «صرا لي صرا»، التي اختار لها مضمونا أكثر ارتباطا بالألم والخذلان والصدمات النفسية. وكشف الحر عن العمل عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل طرحه للجمهور، في خطوة اعتمد فيها على التشويق وإثارة فضول المتابعين. وحمل العمل بصمته من خلال مشاركته في كتابة الكلمات والألحان، بينما تولى بشير الزايري التوزيع الموسيقي. كما واصل الفنان حضوره على خشبة المهرجانات، من بينها مشاركته في مهرجان القنيطرة، حيث التقى بجمهوره في أجواء احتفالية، وشارك سعد لمجرد في أداء أغنية «حس بيا»، في لحظة عكست استمرار حضوره الجماهيري وقدرته على التواصل مع فئات مختلفة من محبي الموسيقى المغربية.
وتكشف اختيارات الحر خلال هذه المرحلة عن فنان يحاول الحفاظ على حضوره من دون الانفصال عن الأسلوب الذي صنع به اسمه، وفي الوقت نفسه يسعى إلى اختبار مساحات جديدة في الكتابة والتعبير. فبين الأعمال التي تتناول العلاقات والمشاعر، وتلك التي تستحضر الخذلان والانكسار، يواصل الرابور المغربي البحث عن موضوعات يستطيع من خلالها الاقتراب من جمهوره ومخاطبة تجاربه اليومية. كما أن حديثه المتكرر عن الرسالة التي يحملها الفن يكشف عن قناعة راسخة لديه بأن نجاح الأغنية لا يقاس فقط بعدد المشاهدات، وإنما أيضا بقدرتها على الوصول إلى المستمع وترك أثر لديه. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربته قائمة على معادلة دقيقة بين الحفاظ على جماهيريته وتقديم محتوى يحمل بصمته الخاصة.
ومع استمرار الحر في إصدار أعمال جديدة والحضور في التظاهرات الفنية، يبدو أن الرابور المغربي يدخل مرحلة أخرى من مساره، عنوانها البحث عن الاستمرارية أكثر من الاكتفاء بالنجاح العابر. فالفنان الذي استطاع أن يحجز لنفسه مكانا داخل مشهد الراب المغربي على مدى سنوات، يدرك أن الحفاظ على هذا الموقع يحتاج إلى التجدد والاقتراب من الجمهور دون فقدان الهوية الفنية. وبين ما كشفه عن نظرته للفن وما يقدمه من أعمال تحمل تجارب ومشاعر مختلفة، يظل السؤال مفتوحا حول الوجهة التي سيختارها في إصداراته المقبلة، وما إذا كانت المرحلة القادمة ستكشف عن تحول جديد في تجربته أم ستواصل الخط الذي رسمه لنفسه منذ بداية مسيرته.