لم تكن المائدة المغربية في لشبونة مجرد مساحة لتقديم الأطباق والنكهات، بل تحولت إلى نافذة مفتوحة على جانب من الهوية الثقافية للمملكة، بعدما حظي المطبخ المغربي باحتفاء خاص في البرتغال، حيث حل المغرب لأول مرة ضيف شرف على الدورة الثانية والعشرين من «مؤتمر فن الطبخ»، المقام بضواحي العاصمة لشبونة بمشاركة واسعة من مهنيي القطاع من داخل البرتغال وخارجها.
وحملت المشاركة المغربية أبعادا تتجاوز الجانب الغذائي، إذ شكلت مناسبة للتعريف بتنوع الموروث المطبخي الوطني وما يرتبط به من تقاليد راسخة في الضيافة وفنون إعداد الطعام، إلى جانب إبراز الإمكانات السياحية والثروات البحرية التي تزخر بها الأقاليم الجنوبية للمملكة، خاصة جهة الداخلة وادي الذهب، وذلك في انسجام مع موضوع الدورة الذي يركز على البحر والمنتجات المرتبطة به.
واستقطب الرواق المغربي اهتماما لافتا من زوار التظاهرة، الذين وجدوا فيه فرصة لاكتشاف مجموعة من الأطباق والنكهات المغربية والتعرف عن قرب على بعض تقاليد المائدة المغربية وأساليب الضيافة التي تشكل جزءا أساسيا من الثقافة الوطنية. كما أتاحت هذه المشاركة للمهنيين والجمهور البرتغالي التعرف على تنوع المطبخ المغربي وما يختزنه من وصفات وطرق تحضير متوارثة عبر الأجيال.
وأكد سفير المغرب لدى البرتغال، عثمان اباحنيني، أن الحضور المغربي في هذا الموعد المهني يشكل فرصة لتعزيز البعد الثقافي في العلاقات التي تجمع البلدين، موضحا أن فن الطبخ يمكن أن يشكل مجالا إضافيا للتقارب والتواصل بين الشعبين، بالنظر إلى ما تختزنه المائدة من ذاكرة مشتركة وتقاليد وقيم مرتبطة بالضيافة والتبادل.
وأشار السفير إلى أن الروابط المغربية البرتغالية تستند إلى عوامل عدة، من بينها القرب الجغرافي والتاريخ المشترك، مبرزا أهمية نقل هذا الرصيد الثقافي إلى الأجيال الجديدة، ولا سيما الشباب، من خلال مبادرات تسمح بالتعرف على مختلف أوجه الثقافة المغربية، وفي مقدمتها المطبخ الذي أصبح يحظى بحضور متزايد على الساحة الدولية.
كما توقف اباحنيني عند أوجه التقاطع بين المطبخين المغربي والبرتغالي، مشيرا إلى اشتراكهما في عدد من المنتجات والتأثيرات والتقنيات، فضلا عن ارتباطهما بثقافة تقوم على الاجتماع حول المائدة والاحتفاء بالطعام باعتباره جزءا من الحياة اليومية والتراث الثقافي. ويرتبط هذا التقارب، بحسب ما تم تقديمه خلال التظاهرة، بإمكانية تحويل فنون الطبخ إلى وسيلة للحوار والتعارف بين الثقافات.
وحضرت جهة الداخلة وادي الذهب بقوة ضمن هذه المشاركة، باعتبارها إحدى المناطق التي تجمع بين المؤهلات السياحية والثروات البحرية، وهو ما ينسجم مع محور الدورة الحالية المرتبط بالبحر. وقد تم تقديم المنطقة من خلال ما تتميز به من منتجات بحرية وتقاليد غذائية محلية، بما يسمح بالتعريف بمكون آخر من مكونات التنوع الذي يطبع المطبخ المغربي.
وفي الجانب التطبيقي من التظاهرة، قدم الشيف المغربي لحسن حفيظ، رئيس جمعية «تلامذة إسكوفير» بالمغرب، مجموعة من الأطباق والوصفات خلال حصص «ماستر كلاس»، بهدف تعريف المشاركين بجوانب من المطبخ المغربي لا تحظى دائما بالحضور نفسه على الموائد الدولية، رغم ما تختزنه من تنوع وأصالة.
وأوضح حفيظ أن تقديم هذه الأطباق يمثل فرصة لتقاسم وصفات مغربية مع الجمهور البرتغالي والمهنيين المشاركين، وفتح المجال أمامهم لاكتشاف نكهات وأساليب إعداد مختلفة، إلى جانب إبراز نقاط التقاطع بين تقاليد الطبخ في المغرب والبرتغال، خصوصا في ما يتعلق بالمنتجات البحرية وبعض طرق إعدادها.
من جانبه، سلط رئيس المجلس الإقليمي للسياحة بوادي الذهب، عثمان أعمار، الضوء على البعد السياحي للمشاركة، مؤكدا أن حضور المنطقة يهدف إلى التعريف بمؤهلاتها وجعل المطبخ المحلي جزءا من الصورة السياحية التي يتم تقديمها للزوار والمهنيين. ويحتل السمك والمنتجات البحرية مكانة أساسية في المائدة المحلية للمنطقة، بحكم ارتباطها الوثيق بالمجال البحري.
وامتد الاحتفاء بالمطبخ المغربي إلى البرمجة الموازية للمؤتمر، حيث احتضن مطعم حاصل على نجمة «ميشلان» مأدبة خاصة جمعت بين الأطباق المغربية والبرتغالية، أعدها بشكل مشترك الشيف لحسن حفيظ والشيف البرتغالية مارلين فييرا. وقدمت المأدبة تجربة تجمع بين مطبخين مختلفين في تفاصيلهما، لكنهما يلتقيان في عدد من النكهات والتقاليد وفنون تقديم الطعام والاحتفاء بالضيوف.
وتشارك إلى جانب المغرب جهة ماديرا البرتغالية، ضمن دورة تركز على قضايا مرتبطة باستدامة الموارد البحرية وتربية الأحياء المائية والعلاقة بين فن الطبخ والمنتجات المحلية. ويتضمن البرنامج عروضا تطبيقية وجلسات تذوق ولقاءات مهنية تهدف إلى تبادل الخبرات وإبراز التجارب المختلفة في مجال الطبخ والمنتجات المجالية.
ويواصل «مؤتمر فن الطبخ»، الذي انطلقت فعالياته سنة 2005، ترسيخ حضوره كموعد مهني يجمع المختصين في فنون الطهي والباحثين والمهنيين، من أجل مناقشة التحولات التي يعرفها القطاع وتبادل التجارب والانفتاح على مطابخ وثقافات مختلفة. وفي هذه الدورة، وجد المطبخ المغربي مساحة بارزة لتقديم نفسه ليس فقط باعتباره مجموعة من الأطباق والوصفات، وإنما كجزء من هوية ثقافية غنية تحمل تاريخا وتقاليد متجذرة في فن الضيافة.