محمد الأثير يبرز مسيرة فنية امتدت لعقود ويؤكد أن قوة النص تصنع الفارق في نجاح الأعمال

في المشهد الفني المغربي، هناك أسماء لا تحتاج إلى كثير من التقديم، لأن حضورها ارتبط بذاكرة أجيال من المشاهدين، وبأعمال ظلت حاضرة في الوجدان رغم مرور السنوات. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان محمد الأثير، الذي استطاع أن يبني لنفسه مسارا متنوعا جمع بين المسرح والسينما والتلفزيون، مستندا إلى تجربة طويلة جعلته واحدا من الوجوه التي تركت بصمتها في الفن المغربي، خصوصا في الأدوار التي مزجت بين الكوميديا والبعد الإنساني. وبين سنوات التكوين والبدايات الأولى، ثم الحضور في أعمال تلفزيونية وسينمائية ومسرحية متعددة، ظل الأثير وفيا لفكرة أساسية مفادها أن الفنان الحقيقي لا تقاس قيمته بعدد الأعمال فقط، وإنما بقدرته على تقديم شخصية تضيف شيئا إلى العمل وتترك أثرا لدى الجمهور.

ولد محمد الأثير بمدينة سلا يوم 16 شتنبر 1953، وتخرج من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قبل أن يشق طريقه في المجال الفني من بوابة مسرح الهواة سنة 1974، ثم ينتقل تدريجيا إلى السينما والتلفزيون. وخلال مساره التكويني، استفاد سنة 1978 من تكوين بمسرح محمد الخامس تحت إشراف مجموعة من الأسماء والأساتذة المغاربة والأجانب، كما خضع خلال الفترة الممتدة بين 1980 و1990 لتداريب أخرى بتأطير من وزارة الشبيبة والرياضة، وهو ما ساهم في صقل أدواته الفنية. ولم تكن تلك المرحلة مجرد عبور نحو الاحتراف، إذ توج خلالها بثلاث جوائز كأفضل ممثل في مهرجانات وطنية، إلى جانب جائزة تقديرية في مهرجان بقرية بتونس. ومع مرور الوقت، اتسع حضوره وأصبح اسمه مرتبطا بمجموعة من الأعمال، من بينها «ذئاب في الدائرة»، و«عود الريح»، و«محاكمة امرأة»، و«وبعد»، فضلا عن أعمال تلفزيونية وسينمائية ومسرحية عديدة.

وكشف محمد الأثير في تصريحات صحفية له عن رؤيته الخاصة للعمل الفني، مؤكدا أن الجمهور يبقى في نهاية المطاف صاحب الكلمة الفصل في تقييم ما يقدم إليه، ومشددا في حديثه لجريدة «العمق» على أن الإشكال الأساسي الذي كان يراه في عدد من الأعمال الدرامية المغربية يرتبط بجودة النص، موضحا أن «النصوص لا ترقى لطموحات المتلقي»، وأن الممثل مهما حاول تطوير أدائه يظل مرتبطا بما يتيحه له السيناريو من مساحة للإبداع. وأضاف أن الممثل يؤدي ما عليه، لكن قوة النص تمنح الفنان جزءا كبيرا من إمكانية التألق، بينما يحد ضعف الكتابة من قدرة العمل على الوصول إلى مبتغاه. وهذه الرؤية تكشف عن موقف فني واضح لدى الأثير، يقوم على اعتبار الكتابة حجر الأساس في أي إنتاج درامي، وليس مجرد عنصر مواز لباقي مكونات العمل.

وعبر الأثير، في حديث آخر بمناسبة عودته إلى السينما من خلال فيلم «العبد» للمخرج عبد الإله الجوهري، عن سعادته باستئناف حضوره في الشاشة الكبيرة بعد سنوات من الغياب، موضحا أن الفيلم أعاده إلى السينما بعد غياب امتد لنحو 11 عاما، منذ مشاركته في «محاكمة امرأة» سنة 2000 رفقة المخرج حسن بنجلون. وكشف أن ما شجعه على خوض تجربة «العبد» كان بالأساس جودة النص وطريقة حبكه، إلى جانب اشتغاله للمرة الأولى مع المخرج عبد الإله الجوهري ووجود مجموعة من الفنانين الشباب ضمن العمل. وفي الفيلم، جسد شخصية رئيس عمال داخل أحد المعامل، وهي شخصية تحركها الرغبة في تحقيق مصالحها وأهدافها وقضاء حاجياتها دون الالتفات كثيرا إلى مصالح الآخرين، ما منح الفنان فرصة للابتعاد عن النمط الواحد والانخراط في شخصية تحمل أبعادا مرتبطة بعلاقات السلطة والمصلحة داخل فضاء العمل.

ولم يقتصر حضور محمد الأثير على السينما والتلفزيون، بل ظل المسرح أحد المكونات الأساسية في تجربته، وهو ما يفسر تنوع الشخصيات التي قدمها على امتداد عقود. وتكشف قائمة أعماله عن مسار غني يضم عشرات المسرحيات والأعمال التلفزيونية والسينمائية، من بينها «الزوجة والمفتاح»، و«أحلام مؤجلة»، و«الحلم الصغير»، و«أرخامة»، و«المطمورة»، و«الرقاص»، و«بيت من زجاج»، و«مساومة»، و«لبنى وعمي لخضر»، و«فرحة مؤقتة»، و«السطاجير»، إلى جانب أعمال تلفزيونية مثل «قهوة نص نص» و«تبدال المنازل» و«عائلة السي مربوح» و«راديو واك واك». أما في المسرح، فقد شارك في أعمال عديدة من بينها «شوف فيا نشوف فيك»، و«سعدي براجلي»، و«الله يطعمنا حلال»، و«الديبلوم والدربوكة»، و«الصراحة راحة»، و«المليونير»، و«البيضة فالطاس» وغيرها. ويؤكد هذا التنوع أن تجربته لم تكن مرتبطة بنوع واحد من الأداء، بل قامت على الانتقال بين الكوميديا والدراما والمسرح والتلفزيون والسينما، مع الحفاظ على خصوصية حضوره وعفويته أمام الجمهور.

ويظل فيلم «العبد» إحدى المحطات اللافتة في مسار الأثير السينمائي، ليس فقط لأنه شكل عودة له إلى الشاشة الكبيرة بعد سنوات، وإنما أيضا بسبب طبيعة الموضوع الذي يطرحه العمل، إذ يناقش مفهومي الحرية والعبودية من زاوية اجتماعية وفلسفية، متسائلا عن مدى حرية الإنسان المعاصر أمام الضوابط والقوانين والالتزامات التي تحاصره في حياته اليومية وعمله وعلاقاته. وقد شارك الفيلم في بطولته إلى جانب محمد الأثير كل من عمر لطفي، وسحر الصديقي، ونعيمة إلياس، وماجدة زبيطة، وحميد زيان وآخرين، قبل أن يواصل العمل مساره في المهرجانات ويحصد جوائز دولية، من بينها جائزة جديدة في مهرجان كازان سنة 2024، ضمن سلسلة من التتويجات التي راكمها الفيلم في مساره الوطني والدولي.

وبين خشبة المسرح وعدسة السينما وشاشة التلفزيون، يواصل محمد الأثير تأكيد أن المسيرة الفنية الحقيقية تبنى بالتراكم والصبر والقدرة على التجدد، وأن ارتباط الفنان بالجمهور لا تصنعه الشهرة العابرة بقدر ما تصنعه الأعمال التي تظل عالقة في الذاكرة. وبعد عقود من العطاء، ما زال اسمه يحضر باعتباره واحدا من الفنانين الذين جمعوا بين التكوين والتجربة والحضور الشعبي، فيما تكشف تصريحاته عن وعي واضح بقيمة النص وأهمية الشخصية وجودة العمل. وهكذا يظل محمد الأثير جزء من ذاكرة الفن المغربي، وفنانا استطاع أن يحافظ على مكانته عبر أجيال متعاقبة، مستندا إلى تجربة طويلة تؤكد أن البصمة الفنية لا تختفي مع مرور الزمن، بل تزداد رسوخا كلما حملت معها صدق الأداء وقيمة التجربة.

محمد الأثير يبرز مسيرة فنية امتدت لعقود ويؤكد أن قوة النص تصنع الفارق في نجاح الأعمال