في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه القضايا الثقافية والاجتماعية، يبرز صوت الفنان الملتزم باعتباره ضميرا حيا يقرأ الواقع ويعيد صياغته بلغة الفن، بين الجمال والرسالة والالتزام الإنساني. وفي هذا السياق، يواصل الفنان التونسي حضوره بوصفه أحد الأسماء التي ربطت الإبداع بالوعي، وجعلت من الأغنية مساحة للتعبير عن الإنسان وهمومه.
كشف في تصريح للصحافة على هامش مشاركته في مهرجان “موازين” بالرباط، أن الفنان التونسي لطفي بوشناق يعد من أبرز الأصوات العربية التي راكمت تجربة فنية طويلة قائمة على الالتزام، حيث اشتهر بأعماله التي تمزج بين الطرب الأصيل والبعد الإنساني، مع حضور قوي في المشهد الموسيقي العربي عبر مسار يمتد لعقود.
وأوضح أن الفنان الحقيقي، في نظره، ليس مجرد مؤد للأغنية، بل هو مرآة تعكس التحولات التي يعيشها المجتمع، مؤكدا أن الإبداع لا يمكن أن ينفصل عن الواقع أو يتجاهل قضايا الإنسان أينما كان، لأن الفن في جوهره مرتبط بالوجدان الجمعي وبالتجربة الإنسانية المشتركة.
وأضاف أن رسالته الفنية تقوم على نقل انشغالات الناس والدفاع عن قيم المحبة والتسامح والتعايش، مبرزا أنه لا ينتمي لأي تيار سياسي، بل يعتبر نفسه منتميا إلى فضاء أوسع هو “الإنسانية”، باعتبارها الإطار الذي يجمع مختلف الشعوب والثقافات.
وتطرق إلى ما يشهده العالم العربي من أزمات وتحولات متسارعة، مشيرا إلى أن الفنان لا يمكنه أن يظل محايدا تجاه الأحداث الكبرى، خصوصا ما يتعلق بالقضايا الإنسانية الملحة، وفي مقدمتها ما يجري في غزة وفلسطين، حيث يرى أن المبدع مطالب بالتفاعل والتعبير عن موقفه بصدق ومسؤولية.
وتوقف عند ما تعرفه مواقع التواصل الاجتماعي من توتر وجدال بين جماهير بعض بلدان المغرب الكبير والعالم العربي خلال المناسبات الرياضية، معتبرا أن هذه السلوكات لا تعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع هذه الشعوب، داعيا إلى توظيف الفضاء الرقمي لنشر قيم الأخوة بدل تغذية الخلافات.
كما شدد على أن المرحلة الحالية تتطلب وعيا أكبر من طرف الفاعلين الثقافيين والإعلاميين، في ظل التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، محذرا من خطورة الخطابات التي تساهم في إذكاء الفتن، ومؤكدا ضرورة ترسيخ ثقافة التقارب والتآخي بين المجتمعات العربية.
وفي حديثه عن واقع الأغنية العربية، أشار إلى أن بعض القوالب التقليدية تعرف تراجعا أمام انتشار الأغاني السريعة، وهو ما يجعل مسؤولية الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية جماعية تشمل الفنانين والمؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام والجمهور على حد سواء.
وأكد أنه لا يرفض الأنماط الموسيقية الحديثة، بل يتفاعل معها بإيجابية، غير أنه يشدد على أن الانفتاح عليها يجب ألا يكون على حساب الهوية الموسيقية العربية، داعيا إلى صون القوالب الغنائية التي شكلت جزءا مهما من تاريخ الموسيقى العربية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على التجارب العالمية المختلفة.
وفي ما يتعلق بمشاريعه الفنية، أوضح أنه يواصل العمل على أعمال جديدة تقوم على المزج بين الخصوصية الموسيقية والانفتاح على العالم، بهدف تقديم إنتاجات تحافظ على الجذور الثقافية وتواكب في الآن ذاته التحولات الفنية المعاصرة.
وبخصوص مشاركته في مهرجان “موازين”، كشف أنه سيقدم خلال حفله المرتقب بالرباط على خشبة مسرح محمد الخامس مجموعة من أعماله الجديدة إلى جانب أغاني ارتبطت بذاكرة الجمهور، مع تخصيص مساحة مهمة للطرب الأصيل والارتجال الموسيقي، في سهرة يسعى من خلالها إلى الجمع بين الأصالة والتجديد.