في خطوة سياسية لافتة تحمل أبعادا تنظيمية واستراتيجية، كشف كل من حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد بمدينة الدار البيضاء عن ميلاد إطار سياسي جديد اختير له اسم “تحالف اليسار”. ويراهن الحزبان من خلال هذه المبادرة على فتح صفحة جديدة داخل المشهد السياسي الوطني عبر تجميع الطاقات اليسارية والديمقراطية والتقدمية ضمن مشروع موحد قادر على التعاطي مع التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها البلاد.
وجاء الإعلان عن هذا التحالف خلال لقاء صحفي أكد فيه مسؤولو الحزبين أن المشروع الجديد لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة مسار طويل من التنسيق والتشاور والعمل المشترك بين الطرفين. وأوضح المتدخلون أن هذه الخطوة تعكس رغبة مشتركة في تجاوز حالة التفرق التي طبعت مكونات اليسار المغربي خلال السنوات الماضية، معتبرين أن التحالف يمثل امتدادا طبيعيا للإرث النضالي المشترك الذي راكمته القوى اليسارية على امتداد عقود.
وأكد القائمون على المبادرة أن التحالف الجديد لا يقتصر على التعاون الانتخابي أو التنسيق المرتبط بمحطات سياسية ظرفية، وإنما يقوم على تصور استراتيجي بعيد المدى يهدف إلى بناء قوة سياسية تقدمية تمتلك القدرة على مواكبة التحولات التي يشهدها المغرب. كما يسعى إلى بلورة بدائل عملية لمعالجة الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل اهتمام المواطنين، انطلاقا من أرضية سياسية وفكرية ترتكز على الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومساندة المطالب المشروعة للحركات الاجتماعية، وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية والمساواة، إلى جانب حماية السيادة الوطنية وصيانة المصالح الاستراتيجية للمملكة.
وكشف مسؤولو الحزبين أن المرحلة المقبلة ستعرف إطلاق عدد من المبادرات السياسية والتنظيمية والتواصلية بهدف توسيع دائرة التحالف وتعزيز حضوره في مختلف الجهات والأقاليم. كما سيعمل التحالف على الانفتاح على الفاعلين الديمقراطيين والتقدميين الراغبين في المساهمة في بناء مشروع سياسي حداثي يستجيب لتطلعات المواطنين وينسجم مع متطلبات المرحلة.
وفي معرض حديثه عن هذا المشروع، أوضح عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن الإعلان عن “تحالف اليسار” يشكل محطة جديدة في مسار العمل الوحدوي بين القوى اليسارية بالمغرب، مؤكدا أن تأسيس هذا الإطار لم يكن مرتبطا باعتبارات انتخابية ضيقة أو ظرفية سياسية عابرة، بل جاء بعد سنوات من الحوار والتنسيق والتعاون الميداني بين الحزبين.
وأضاف أن الفترة التي سبقت الإعلان الرسمي عن التحالف شهدت سلسلة من المشاورات المكثفة التي تناولت مختلف الجوانب التنظيمية والسياسية والاستراتيجية، وأسفرت في نهاية المطاف عن صياغة مشروع سياسي متكامل المعالم والأهداف. كما اعتبر أن هذه المبادرة تحمل رسالة أمل إلى المواطنين في ظل ما وصفه بحالة فقدان الثقة والإحباط التي باتت تسود لدى فئات واسعة تجاه العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وأشار العزيز إلى أن الظرفية الراهنة تستدعي توحيد جهود القوى الديمقراطية والتقدمية لمواجهة مختلف التحديات التي تعرفها البلاد، موضحا أن التحالف يستند إلى رؤية بعيدة المدى تروم بناء قوة يسارية وازنة قادرة على التأثير في المشهد السياسي وتقديم بدائل واقعية لمعالجة الاختلالات القائمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وشدد الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي على أن الانتخابات لا تمثل بالنسبة للتحالف هدفا نهائيا، بل تعتبر وسيلة ديمقراطية من بين وسائل تحقيق مشروع مجتمعي متكامل يضع المواطن في قلب اهتماماته. وأبرز أن الرهان الأساسي يتمثل في إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد واسترجاع ثقة المواطنين في المؤسسات والأحزاب، إلى جانب الدفاع عن نموذج ديمقراطي يضمن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والكرامة لكافة المواطنين.
من جانبه، اعتبر جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن تأسيس “تحالف اليسار” يمثل خطوة سياسية واستراتيجية تهدف إلى توحيد نضالات القوى اليسارية الديمقراطية والتقدمية وتجاوز حالة التشتت التي عرفها هذا التيار خلال السنوات الأخيرة. كما أكد أن المشروع الجديد يضع ضمن أولوياته الدفاع عن المطالب المشروعة للحركات الاجتماعية وصيانة السيادة الوطنية.
وأوضح العسري أن إطلاق هذا التحالف جاء استجابة لجملة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تواجه المغرب، مشيرا إلى أن الحزبين يتقاسمان قناعة مشتركة بضرورة البحث عن حلول للأوضاع الصعبة التي تعيشها فئات واسعة من المواطنين. واعتبر أن المرحلة الحالية تفرض بناء جبهة شعبية قوية ومتماسكة قادرة على تقديم بدائل حقيقية تستجيب لتطلعات المغاربة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة.
كما أكد أن التحالف يتبنى خيار النضال السلمي والعمل المشترك والانخراط في مختلف الحراكات الشعبية بهدف تحقيق إصلاحات سياسية ودستورية عميقة تفضي إلى توسيع مجال الديمقراطية ومعالجة الاختلالات البنيوية القائمة. وأضاف أن هذه الإصلاحات تشمل إرساء ملكية برلمانية تقوم على فصل حقيقي للسلط ومنح صلاحيات أوسع للمؤسسات المنتخبة المنبثقة عن انتخابات حرة ونزيهة، فضلا عن تعزيز استقلالية السلطة القضائية.
وفي ما يتعلق بأولويات التحالف، شدد العسري على أن محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح تشكل محورا أساسيا ضمن مشروعه السياسي، إلى جانب ترسيخ سيادة القانون وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرا أن هذه المرتكزات ضرورية لاستعادة الثقة في المؤسسات وترسيخ الحكامة الجيدة.
أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، فأوضح أن “تحالف اليسار” يطمح إلى تقديم بديل تنموي أكثر عدالة وتوازنا يأخذ بعين الاعتبار البعد البيئي ويستجيب لحاجيات الفئات الهشة والمناطق المهمشة، بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة ومنصفة. كما أكد أن التحالف يتبنى موقفا رافضا لجميع أشكال التطبيع، مع مواصلة الدفاع عن القضية الفلسطينية ومساندة مختلف القضايا الإنسانية العادلة في العالم.
وختم العسري حديثه بالتأكيد على أن المشروع الوحدوي الجديد يقوم على مأسسة العمل المشترك بين مكوناته من خلال إحداث آليات تنظيمية ومؤسساتية للتنسيق والتشاور، بما يضمن استمراريته وتطويره مستقبلا. وأضاف أن التحالف يضع ضمن أولوياته كذلك الدفاع عن المساواة الفعلية بين النساء والرجال، ومحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، فضلا عن العمل على تمكين الشباب من المشاركة السياسية وإشراك الطاقات الشابة في صناعة القرار والمساهمة في بناء المستقبل.