بشرى مالك تؤكد تحول المشاهد المغربي إلى ناقد واعي عبر مشروع يكشف خبايا الإنتاج التلفزيوني

تعد السيناريست بشرى مالك من الأسماء البارزة في مجال الكتابة التلفزيونية بالمغرب، حيث استطاعت أن ترسخ حضورها من خلال مقاربات إبداعية تمزج بين الجرأة والعمق، كما أنها تواكب التحولات التي يعرفها المجال السمعي البصري وتسعى إلى تطويره عبر أفكار جديدة ومبادرات مختلفة، وهو ما جعلها تحظى باهتمام فئة واسعة من المتابعين والمهتمين بالشأن الفني والإعلامي.
كشفت في تصريح للصحافة عن ملامح تحول لافت يشهده الجمهور المغربي، حيث لم يعد ذلك المتلقي الذي يكتفي بالمشاهدة دون تفاعل، بل أصبح أكثر فضولا ورغبة في الفهم والتحليل، وذلك بفعل التطور الرقمي وانتشار المنصات الحديثة، الأمر الذي ساهم في بروز مشاهد يمتلك أدوات النقد ويبحث عن المعنى خلف ما يقدم له على الشاشة.
وفي هذا الإطار، اتجهت إلى إطلاق مبادرة إعلامية جديدة تحمل تصورا مغايرا، إذ اختارت الاشتغال على فكرة تسليط الضوء على ما يجري خلف الكاميرا، وذلك من خلال مشروع رقمي مبتكر يسعى إلى تقريب الجمهور من تفاصيل صناعة الأعمال التلفزيونية، معتمدة في ذلك على أسلوب بسيط في الظاهر وعميق في المضمون، بما يفتح المجال أمام نقاش تفاعلي ومباشر.
وترتكز هذه التجربة على تقديم محتوى مصور في شكل مقاطع قصيرة يتم نشرها عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعمل من خلالها على الإجابة عن تساؤلات المتابعين، وفي الوقت ذاته تقدم معطيات دقيقة حول مختلف مراحل الإنتاج، وذلك بطريقة سلسة تجمع بين التبسيط والشرح المفصل، مما يمنح المشاهد فرصة لفهم آليات الاشتغال داخل هذا المجال.
ولا يقتصر هذا الطرح على تقديم معلومات سطحية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك منظومة الإنتاج التلفزيوني بمختلف مكوناتها، إذ يتم التطرق إلى كيفية نشأة فكرة العمل، ومرورا بكتابة السيناريو وتطويره، ثم تقديم المشاريع إلى القنوات، إضافة إلى مراحل الانتقاء وطلبات العروض، وصولا إلى اختيار الطاقم الفني والتقني، ثم عمليات التصوير والبث، وهو ما يكشف عن تعقيد المسار الذي يمر منه أي عمل تلفزيوني.
ومن خلال هذا التوجه، يساهم المشروع في بناء وعي جديد لدى الجمهور، حيث لم يعد دور المشاهد مقتصرا على التلقي، بل أصبح قادرا على التحليل والنقد وربط العناصر ببعضها، وهو ما يعزز حضوره كشريك فعلي في تقييم المنتوج الفني، ويمنحه القدرة على التمييز بين الأعمال من حيث الجودة والمحتوى، وذلك في ظل توفر معطيات لم تكن متاحة في السابق.
كما أن هذه المبادرة تضع مختلف الفاعلين في قطاع الإنتاج أمام نوع من المساءلة غير المباشرة، إذ إن اطلاع الجمهور على خبايا الاشتغال يجعل من الصعب تمرير اختيارات ضعيفة أو غير مقنعة، وبالتالي يفرض نوعا من الالتزام بمعايير أكثر دقة، ويشجع على الارتقاء بالمستوى العام للأعمال المقدمة، مع تعزيز مبدأ المسؤولية وربطها بالمحاسبة.
ومن جهة أخرى، يفتح هذا الطرح نقاشا واسعا حول طرق تدبير الإنتاج التلفزيوني، ومعايير اختيار المشاريع، وكذا آليات منح الفرص داخل هذا المجال، وهي قضايا ظلت لسنوات محاطة بنوع من الغموض، غير أن تقديمها بهذا الشكل يسهم في إعادة طرحها للنقاش العمومي، دون تبني خطاب مباشر، ولكن عبر عرض معطيات كفيلة بإثارة التساؤلات.
وقد لقي هذا المشروع تفاعلا ملحوظا من طرف الجمهور، حيث عبر العديد من المتابعين عن اهتمامهم الكبير بالمحتوى المقدم، وأبدوا دهشتهم من حجم التفاصيل والتعقيدات التي ترافق إنتاج الأعمال التلفزيونية، وهو ما دفعهم إلى إعادة النظر في طريقة تقييمهم لما يشاهدونه، مع تبني نظرة أكثر وعيا وعمقا تجاه المنتوج الفني.
وفي ظل هذا الإقبال، يجد المسؤولون عن القنوات وشركات الإنتاج أنفسهم أمام تحديات جديدة، حيث لم يعد كافيا الاعتماد على منطق ملء البرمجة، بل أصبح من الضروري التركيز على الجودة والوضوح واحترام ذكاء المشاهد، خاصة في ظل ارتفاع مستوى الوعي وتزايد القدرة على النقد والتحليل لدى الجمهور.
ويبدو أن مثل هذه المبادرات تسهم في إحداث تحول تدريجي في الثقافة البصرية، حيث يتجه المشهد نحو علاقة أكثر توازنا بين ما يتم إنتاجه وما يتم استقباله، وذلك من خلال إشراك الجمهور بشكل غير مباشر في عملية التقييم، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة عنوانها الوعي المتنامي والتفاعل المستمر.

1

2

3

بشرى مالك تؤكد تحول المشاهد المغربي إلى ناقد واعي عبر مشروع يكشف خبايا الإنتاج التلفزيوني