هدر الطعام بالمغرب يبرز الحاجة إلى ثقافة استهلاكية واعية ومسؤولة

في اليوم الدولي للقضاء على هدر الأطعمة، الذي يصادف 30 مارس من كل عام، تتضح حاجة المجتمع المغربي إلى مراجعة سلوكياته الاستهلاكية وإعادة تقييم القيم المرتبطة بالنعمة والكرم، فبينما يتسم المجتمع المغربي بتقديس “النعمة” كما يقال بالعامية، تكشف الممارسات اليومية عن التبذير والإسراف، ما يجعل الحد من هدر الطعام مسؤولية أخلاقية واجتماعية قبل أن يكون خيارا شخصيا.
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الأسر المغربية أضاعت أكثر من 4 ملايين و200 ألف طن من المواد الغذائية والنفايات المنزلية خلال سنة 2022، وارتفعت حصة الفرد السنوية من 91 كيلوغراما سنة 2019 إلى 113 كيلوغراما سنة 2022، ما يعكس اتساع دائرة الهدر وتأثيرها المباشر على الموارد الغذائية والاقتصادية.
كما أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره أن بعض المنتجات الزراعية مثل الفواكه والخضر والحبوب تفقد ما بين 20 و40 في المائة من إنتاجها خلال مراحل الإنتاج والحصاد والتخزين والنقل، ما يزيد الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة الماء، إذ يتم استخدام أكثر من 1,6 مليار متر مكعب سنويا لإنتاج غذاء لا يصل إلى المستهلك.
وشدد المجلس على ضرورة وضع قانون خاص بمكافحة ضياع وهدر المواد الغذائية، وإرساء آليات حكامة متعددة الأطراف تجمع بين القطاعات الحكومية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، إضافة إلى إنشاء مرصد وطني يجمع البيانات وينتج المؤشرات ويقترح الحلول المناسبة لكل منطقة لضمان فعالية التدخلات والحد من الهدر على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، لفت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التناقض بين وفرة الطعام وهدره، وبين معاناة 9 في المائة من البشر من الجوع، مؤكدا أن المبادرات العالمية مثل “الطفرة في القضاء على هدر الطعام” و”لا نفايات عضوية” تهدف إلى خفض الهدر إلى النصف بحلول 2030 وتقليل انبعاثات الميثان بنسبة 7 في المائة وبناء منظومات غذائية مستدامة ودائرية.
من جهته، أكد خالد التوزاني، أستاذ جامعي، أن هدر الطعام بالمغرب لم يعد قضية فردية، بل أصبح تحديا هيكليا يمس الأمن الغذائي واستدامة الموارد، مشيرا إلى التناقض بين القيم التقليدية المبنية على تقديس النعمة وبين الممارسات اليومية التي تتسم بالإسراف، ويعود ذلك جزئيا إلى تصورات مرتبطة بالكرم والضيافة التي تشجع كثرة الأطباق كدليل على المكانة الاجتماعية.
وأضاف التوزاني أن التحولات في نمط العيش الحضري ساهمت في ضعف مهارات إدارة المطبخ لدى الأجيال الجديدة، خاصة مع انتشار “الطعام السريع” والثقافة الاستهلاكية المدفوعة بالعروض التجارية والإشهارات، ما أدى إلى اقتناء مواد غذائية تفوق الاحتياجات الفعلية للأسر، وهو ما يضاعف حجم الهدر.
واقترح المتحدث اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين التربية والقيم والقوانين والتواصل، تبدأ من المدرسة والأسرة بتعليم مفاهيم ترشيد الاستهلاك، وتشمل وضع إطار تشريعي يشجع على التبرع بالفائض الغذائي وتقديم تحفيزات ضريبية للمؤسسات التي تحقق “صفر هدر”، مع الاستفادة من الرقمنة والتطبيقات الذكية لربط المؤسسات الإنتاجية بالمستهلكين وتسهيل إعادة استغلال الفائض الغذائي.
وأكد الباحث محمد حبيب أن هدر الطعام يعكس خللا في “سيكولوجية الوفرة” لدى الفرد، إذ يتحول الغذاء إلى أداة للحصول على أمان نفسي زائف، وأن التبذير يبرر اجتماعيا رغم رفضه أخلاقيا، فيما أصبح الكرم في المجتمع المغربي ثقافة استعراضية تفرض الإسراف وتضع معيار نجاح المناسبات في كمية وفائض الطعام، مما أثر على قيم البركة والتدبير التقليدي.
وأشار حبيب إلى أن هدر الأطعمة يترتب عليه عبء اقتصادي وبيئي ويثير شعورا بعدم العدالة الاجتماعية، مؤكدا أن الحل يكمن في ثورة ثقافية تعيد تعريف الكرم ليكون مرادفا لحسن التدبير، وتكامل الأدوار بين التربية والتشريع لتوجيه المجتمع من ثقافة “الوفرة الاستعراضية” نحو مسؤولية استهلاكية واعية.

1

2

3

هدر الطعام بالمغرب يبرز الحاجة إلى ثقافة استهلاكية واعية ومسؤولة