محمد مفتاح، الفنان المغربي المعروف، عاش طفولة مليئة بالتقلبات الصعبة، حيث أثرت عليه التجارب المبكرة بشكل عميق وشكلت شخصيته الإنسانية والفنية. ولد في حي شعبي بالدار البيضاء، وبدأت حياته بين تحديات الفقر وانكسارات الواقع الاجتماعي، لكنه اكتسب منذ صغره إحساسا بالمسؤولية ونظرة فريدة إلى العالم من حوله.
كشف في تصريح للصحافة أن أصعب لحظات طفولته كانت عندما فقد والدته أمامه إثر حادث مأساوي، وهو في سن الخامسة فقط، ما ترك في نفسه جرحا عاطفيا عميقا لكنه في الوقت نفسه زرع فيه حساسية إنسانية ووعي مبكر بالمسؤولية. وأكد أن هذه التجربة القاسية لم تسرق منه طفولته فحسب، بل منحت حياته بعدا إنسانيا خاصا ساعده على فهم معاناة الآخرين والتفاعل معها.
وأضاف أن نشأته في حي “المحمدي” المعروف آنذاك ب”كريان سنترال” شكلت له مدرسة حقيقية للحياة، إذ تربى في أسرة بسيطة كانت تتمسك بالقيم والأخلاق، وكان والده فقيها يعلم الأطفال القرآن، وهو ما منحه أساسا قويا في فهم الحياة والتعامل مع الناس. وأوضح أن هذه البيئة الشعبية علمته ملاحظة التفاصيل الإنسانية والاجتماعية وأثرت في شغفه بالحكي والتعبير الفني منذ الصغر.
وأشار إلى أن اهتمامه بالفن بدأ في سن مبكرة حين تعرف على المسرح المدرسي وهو في الثامنة من عمره، حيث وجد فيه فضاء للتعبير بحرية والتجربة. وكشف أن انخراطه في المسرح الهواة خلال الستينات، رغم عدم امتلاكه لأي تكوين أكاديمي مسبق، جاء مدفوعا برغبة قوية في التعلم والتطور، مما ساعده على فرض نفسه بسرعة بين الفرق المسرحية الصاعدة آنذاك.
وأكد أن تأثره بالأدب العربي الكلاسيكي والمناهج التعليمية التي وضعت بعد الاستقلال لعب دورا مهما في صقل شخصيته الفنية، كما عبر عن امتنانه للأساتذة المصريين الذين ساهموا في تعليمه أسس اللغة والفن، مشيرا إلى أن المزج بين الثقافة الأكاديمية والممارسة العملية منح أعماله عمقا فكريا وإنسانيا مميزا.
وكشف محمد مفتاح أن لقاؤه بالمخرج العالمي مصطفى العقاد شكل نقطة تحول حقيقية في مسيرته، حيث أتيحت له فرصة أداء دور صهيب الرومي في فيلم “الرسالة”، وهو الدور الذي فتح أمامه أبواب الشهرة العالمية. وأكد أن هذه التجربة أكدت له أن الموهبة الصادقة يمكن أن تتجاوز الحدود وتترك أثرا كبيرا على مسار الفنان.
وأضاف أن النجاح الذي حققه دفعه إلى المشاركة في أعمال عربية كبرى، خصوصا في المسلسلات التاريخية مثل “صلاح الدين الأيوبي”، “ثلاثية الأندلس” و”صقر قريش”، حيث جسد شخصية بدر التي اعتبرها الأقرب إلى قلبه. وأوضح أن هذه الأدوار لم تكن مجرد تمثيل، بل وسيلة لتجسيد قضايا الأمة والتاريخ العربي، وهو ما جعل من فنه رسالة ومسؤولية كبيرة تجاه المجتمع.
ولم يغفل محمد مفتاح الإشارة إلى محدودية الإنتاج الفني المغربي في بداية مسيرته، إذ كان عدد الأفلام والمسلسلات قليلا جدا، ما دفع العديد من الفنانين للبحث عن فرص في الخارج، في حين كان المسرح المجال الوحيد الذي يتيح للفنان التعبير المستمر. وأكد أن هذه التحديات شكلت حافزا له للاستمرار والعمل بجد لتقديم فن يحمل معنى وعمقا.
وأكد أن الفن بالنسبة له لم يكن مجرد ترفيه، بل رسالة ومسؤولية تجاه المجتمع، مشددا على حرصه في اختيار الأدوار بعناية لتكون تعبيرا صادقا عن نبض الناس وآمالهم وآلامهم، مؤكدا أن الفنان الحقيقي هو من يعكس الواقع ويشارك في بناء وعي جماعي، وهو الدور الذي التزم به منذ أولى خطواته على خشبة المسرح.
1
2
3